تكتيك الإغراق أربك مشهد الحرب الإسرائيلية الإيرانية
في ظل التطورات المتسارعة في مشهد الصراعات الإقليمية، برزت شبكة الدفاع الجوي الإسرائيلية كعنصر أساسي في الحسابات العسكرية. لقد تم تقديم هذه المنظومة على أنها حصن منيع لا يمكن اختراقه، كواحدة من أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطوراً في العالم. إلا أن الهجمات الصاروخية الأخيرة خلال العامين الماضيين من المقاومة الفلسطينية واليمن وحزب الله في الجنوب اللبناني ومؤخرا تلك التي شنتها إيران، ألقت بظلال الشك على هذه المنظومة، كاشفةً عن ثغرات حرجة تتحدى مفهوم الحماية المطلقة التي وصفت بها.
كيف تعمل أنظمة الدفاع الجوي؟
تتكون أنظمة الدفاع الجوي من ثلاثة مكونات:
نظام رادار
مركز قيادة وسيطرة
أنظمة قاذفات تحمل صواريخ اعتراضية
تقوم الرادارات بتعقب الصواريخ القادمة، ثم تُرسل إشارات إلى مركز القيادة والسيطرة لتحديد الأهداف التي يجب التعامل معها. عادة ما تُطلق قاذفة الدفاع صاروخين اعتراضيتين لكل صاروخ هجومي. جميع هذه الأنظمة تحتوي على عدد محدود من الصواريخ الاعتراضية، ولا يُعرف العدد الدقيق المتوفر لدى إسرائيل.
هل اخترقت إيران أنظمة الدفاع الإسرائيلية؟
ذكرت تقارير إسرائيلية موثوقة إن نسبة نجاح أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي بلغت ما بين 80 و90 %، إذ أنه لا يوجد لا نظام يحقق نسبة حماية كاملة (100٪). وهذا يعني أن بعض الصواريخ الإيرانية تمكنت من اختراق الدفاعات الإسرائيلية.
أشهر الأساليب التي استخدمتها إيران لاختراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي
رغم عدم اليقين الكامل بشأن كيفية اختراق بعض الصواريخ الإيرانية أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي، إلا أن هناك عدة طرق محتملة:
استنزاف صواريخ الدفاع الجوي
قالت الباحثة مارينا ميرون من كلية كينغز في لندن إن من الطرق المعروفة هو “استنزاف المخزون” حيث تطلق إيران عدداً كبيراً من الصواريخ والطائرات المسيرة لإجبار إسرائيل على استهلاك صواريخها الاعتراضية.
الصواريخ الفرط صوتية (Hypersonic)
ذكر جاتوبولوس إن إيران تمتلك صواريخ فرط صوتية، وهي صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت بأكثر من خمس مرات، مثل “فتح-2” المزود بـنظام آلية انزلاقية (HGV) تمكنه من المناورة لتجاوز الدفاعات الجوية.
هذا النوع من الصواريخ:
- يسير بسرعات هائلة.
- يتحرك بشكل متعرج وغير متوقع.
- يصعب على الرادارات تتبعه أو اعتراضه.
الصواريخ الجوالة (Cruise Missiles)
تمتلك إيران صواريخ مثل صواريخ هويزه التي تطير على ارتفاع منخفض مثل الطائرات المسيرة، ما يجعل رصدها واعتراضها أكثر صعوبة.
استخدام الخدع والأهداف الوهمية
قد تستخدم إيران أهدافاً وهمية تُظهر نفسها كتهديدات على الرادار لإجبار إسرائيل على إطلاق صواريخ اعتراض، مما يترك الدفاع مكشوفاً أمام الهجمات الحقيقية.
تقنيات التمويه الراداري
بعض الصواريخ مزودة بتقنيات تمنع الرادار من اكتشافها، مما يقلل فعالية الدفاعات الجوية.
تكتيك الإغراق كشف نقطة ضعف أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي 
أكثر ما كشفت عنه الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل هو التشكيك في أسطورة أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي المعروفة بمصطلح السماء الحديدية وبدأت في الزوال مع الكشف عن نقطة ضعف حاسمة تعرف بمصطلح تكتيك الإغراق، الذي استخدمته فصائل المقاومة الفلسطينية قبل وأثناء عملية طوفان الأقصى، ثم جاءت الحرب الإيرانية الإسرائيلية لتكشف فعالية هذا التكتيك ضد أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي. يعتمد هذا تكتيك قصف موجات مكثفة ومتزامنة من القذائف والصواريخ والطائرات المسيرة ويكون القصد الرئيسي من هذا التكتيك هو إرباك أنظمة الدفاع الجوي واستهلاك مخزونها من الصواريخ الاعتراضية ومن ثم فتح ثغرات لوصول الصواريخ والمقذوفات المطلوب إنزالها على الأهداف.
نجحت إيران في استخدام هذا الأسلوب بفعالية عالية وذلك من خلال إطلاق مجموعة أولية من الطائرات المسيرة وصواريخ كروز وصواريخ باليستية ذات فعالية وتكلفة أقل وذلك لتشتيت وإرهاق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي. هذه الموجات الاستنزافية مكنت الصواريخ الباليستية الأكثر دقة من اختراق الدفاعات والوصول إلى أهدافها.
تكتيك الإغراق يمثل التحدي الأكبر لأنظمة الدفاع الجوي
إن التحدي الأكبر لأي من منظومات الدفاع الجوي يكمن في محدودية الصواريخ الاعتراضية وتكلفتها الباهظة ووقت تصنيعها الطويل. فبينما يمكن إنتاج صواريخ هجومية بكميات أكبر وبتكلفة أقل نسبياً، فإن الصواريخ الاعتراضية ليست متوفرة بلا حدود. هذا يعني أنه في حال استمرت الهجمات الإيرانية بوتيرة ثابتة، فلن تتمكن الدفاعات الإسرائيلية من الصمود طويلاً دون دعم أمريكي مستمر. كما أن عدم فعالية القبة الحديدية ضد الصواريخ الباليستية الحديثة يجبر إسرائيل على الاعتماد على أنظمة “أرو” و”ثاد” الأغلى والأكثر محدودية في المخزون.
الصواريخ الإيرانية تمثل تحدياً لأنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي
يعتقد خبراء في شؤون الدفاع أن إيران ربما استخدمت صواريخ فرط صوتية قادرة على المناورة. ويمكن لهذا النوع من الصواريخ أن يتم برمجة مساره ليكون غير منتظم، أو تعديله أثناء الطيران إذا تم رصد إطلاق صواريخ اعتراضية نحوه، مما يسهل عليه تجنب الاعتراض.
موجات الصواريخ الإيرانية أرهقت أنظمة الدفاع الإسرائيلي
ذكر الحرس الثوري الإيراني إنهم استخدموا طريقة جديدة جعلت أنظمة الدفاع الإسرائيلية متعددة الطبقات تستهدف بعضها البعض، مما مكن إيران من إصابة العديد من الأهداف بنجاح. ويعتقد الخبراء أن هذا الأسلوب قد تم من خلال وضع طائرات مسيرة وهمية بالقرب من أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي، بحيث تُفجّرها أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي عن طريق الخطأ. غير أن السبب الرئيسي للاختراق الكبير في أنظمة الدفاع الإسرائيلية هو العدد الكبير من الصواريخ الإيرانية التي أغرقت أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي. كما أن الهجمات الإيرانية في هذه الحرب الأخيرة تميزت بالعدد غير المسبوق للصواريخ، وليس ضعفًا مفاجئًا في النظام الدفاعي. وأكد الخبراء أن إيران ربما أرسلت عددًا كبيرًا من الأهداف الوهمية، مما جعل القبة الحديدية وغيرها من الأنظمة تستهلك صواريخها على “قطع خردة” في الجو. هناك احتمالية أن تكون إيران قد استخدمت نوعا من أنشطة الحرب الإلكترونية مثل تثبيت أجهزة في الصواريخ تجعلها غير مرئية للرادار، وهو خيار آخر لكسر الدفاعات الجوية.
تقييم التهديد الباليستي الإيراني على إسرائيل 
لا يزال حجم التهديد الصاروخي المتبقي من إيران غير مؤكد، ويعتمد على عدة متغيرات غير معروفة حالياً، من أهمها حجم مخزون إيران من الصواريخ الباليستية. ففي العام 2022، قدرت القيادة المركزية الأميركية الترسانة بحوالي 3 آلاف صاروخ، على الرغم من أن هذا يشمل صواريخ باليستية قصيرة المدى ذات مدى غير كاف للوصول إلى إسرائيل.
وتشير التقييمات الإسرائيلية الأحدث لرقم أقرب إلى ألفي صاروخ، وسيسمح هذا لإيران بشن عدد محدود فقط من الهجمات واسعة النطاق التي تهدف إلى سحق الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية.
وأشارت إلى أنه في الوقت نفسه قد تُوسع طهران نطاق الضغط النفسي والمضايقة العسكرية من خلال أدوات غير متكافئة، تشمل وابل صواريخ “حزب الله”، وأسراب الطائرات المسيرة من اليمن أو العراق، والهجمات الإلكترونية، وهي أقل تكلفة، وأصعب تتبعاً، ويمكن أن تمتد إلى ما هو أبعد بكثير. وتعتبر خيارات طهران لتجديد ترسانتها الصاروخية محدودة. وقبل الحملة الحالية، قدرت الولايات المتحدة قدرة إيران على إنتاج الصواريخ الباليستية بحوالي 50 صاروخاً شهرياً، وعلى الرغم من أن هذا يمثل معدل إنتاج كبيراً، إلا أنه لا يزال غير كافٍ للحفاظ على معدل إطلاق عالية.
ويبدو أيضاً أن إسرائيل قد وسعت عملياتها لتشمل ضربات مباشرة على البنية التحتية لإنتاج الصواريخ الإيرانية، ما سيؤدي إلى معايرة إيران استخدامها لترسانة صاروخية محدودة بعناية لمدى وشدة الصراع.
ويعتبر المتغير الرئيسي الآخر في تقييم التهديد الذي تشكله ترسانة الصواريخ الإيرانية المتبقية هو حجم مخزونات إسرائيل من صواريخ Arrow 2، وArrow 3 الاعتراضية، بالإضافة إلى معدلات الاعتراض التي أظهرتها هذه الأنظمة ضد الصواريخ الإيرانية، ولا يزال كلا الرقمين غير معروفين.
ويتم تعزيز الدفاع الصاروخي الإسرائيلي من خلال الدعم الأميركي المباشر، بما في ذلك نشر بطاريتي دفاع جوي صاروخي عالي الارتفاع THAAD على الأراضي الإسرائيلية، ووجود سفن مجهزة بنظام Aegis ذات قدرات دفاع صاروخي باليستي متقدمة. ويوفر هذا الدعم الأميركي لإسرائيل عمقاً إضافياً للترسانة.
مسارات التصعيد المحتملة
قد تسعى إيران حالياً إلى خيارات جديدة لفرض تكاليف على إسرائيل أو حليفتها الأميركية، وأحدها هو استهداف البنية التحتية الحيوية الإسرائيلية، التي غالباً ما يكون لها امتداد جغرافي أوسع من الأصول العسكرية، ما يسهل استهدافها بالجيل الحالي من الصواريخ الباليستية الإيرانية. ويبدو أن إيران قد طبقت هذا النهج بالفعل، خاصة في هجومها على مصفاة حيفا في اليوم الثاني من الصراع.
ومن الخيارات الأخرى أن تستخدم إيران ترسانتها غير المستغلة في المستقبل إلى حد كبير من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى الأكثر دقة لضرب منشآت البتروكيماويات أو القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة. ولا تزال إيران تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ المضادة للسفن التي يمكن استخدامها لمهاجمة الشحن التجاري في الخليج، وخليج عمان، وبدرجة أقل، في بحر العرب.
حدود استراتيجية الردع الإيرانية
وبينما تواجه إيران تحديات متسلسلة كبيرة في استخدام قوتها الصاروخية، فإن استخدامها يُشير بالفعل إلى فشل أوسع لاستراتيجيتها العسكرية. وبالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها في السنوات الأخيرة لتعزيز دفاعاتها الجوية، اعتمدت إيران دائماً بشكل أساسي على الردع بالعقاب من خلال التهديد الموثوق برد قوي. وفي غياب سلاح جوي فعال، شكلت الصواريخ الأداة الرئيسية لتنفيذ هذه الهجمات الانتقامية.
وأدى ضعف “حزب الله” اللبناني نتيجة الهجمات الإسرائيلية في العام الماضي، إلى إضعاف عنصر أساسي من تلك الاستراتيجية، إذ لم تعد ترسانة الجماعة الصاروخية الكبيرة، التي أتاحها قرب لبنان من إسرائيل، عاملاً مهماً.
وبينما نجح الحوثيون باليمن في إحداث اضطرابات شديدة في حركة الملاحة في البحر الأحمر، واستهداف إسرائيل بالصواريخ الباليستية، فإن بُعدهم الجغرافي عن إسرائيل وترسانتهم الصغيرة نسبياً يمنعهم من أن يكونوا رادعاً استراتيجياً يُضاهي حزب الله. والفعالية المحدودة لوابل الصواريخ الإيرانية في ضربات أبريل وأكتوبر العام الماضي، والتي لم تُسبب أضراراً أو إصابات كبيرة، زادت من تآكل موقفها الرادع.
وأدت الضربات المضادة الإسرائيلية في أواخر أكتوبر إلى تعطيل نظام S-300 الذي قدمته روسيا، وهو أكثر قدرات الدفاع الجوي الإيرانية تقدماً، وأضعفت قدرة إيران الهشة بالفعل على الردع بالإنكار. وساعدت هذه التطورات في تمهيد الطريق للحملة الإسرائيلية الأخيرة التي استمرت لأثني عشرة يوماً. ولم تعتمد استراتيجية الردع الإيرانية على نطاق وتطور ترسانتها الصاروخية، ولكن أيضاً على قدرتها على قياس مدى تحمل المخاطر وتداعيات الألم لدى خصومها بدقة.
واليوم، ومع تدهور القدرات الإيرانية، وانكشاف قصورها خلال العام الماضي، ومع قبول القيادة الإسرائيلية، في الوقت الراهن على الأقل، بمخاطر ضربات الصواريخ الباليستية على مراكزها السكانية، فإن توازن الردع بين إسرائيل وإيران ينهار بوتيرة أسرع.
مخزون خفي
قالت صحيفة “واشنطن بوست”، إنه من المحتمل أن أكثر من نصف ترسانة إيران الصاروخية لا تزال سليمة، وأن كمية غير معروفة من الصواريخ قد تكون مخبأة في مستودعات تحت الأرض. ورغم أن إسرائيل قد خفّضت بشكل كبير من قدرات إيران الهجومية، إلا أن بناء دفاع صاروخي كان مكلفاً بالنسبة لها.
أفادت التقارير أن تكلفة الدفاع الصاروخي على إسرائيل تصل إلى مليار شيكل، أو ما يعادل حوالي 285 مليون دولار، لليلة الواحدة. ونتيجة لذلك، يقول المراقبون، إن حرب استنزاف طويلة بين إسرائيل وإيران قد لا تكون ممكنة، على الأقل في ظل شدتها التي شهدتها المواجهة الأخيرة.
نقص استراتيجي إسرائيلي
قالت صحيفة “وول ستريت جورنال”، إن إسرائيل تعاني نقصاً في صواريخ Arrow الاعتراضية الدفاعية، ما يثير مخاوف بشأن قدرتها على مواجهة الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي قد تطلقها إيران في المستقبل إذ ما تجدد الصراع مرة أخرى، لافتةً إلى أن الولايات المتحدة كانت على علم بهذا النقص منذ عدة أشهر. وقالت الصحيفة، نقلاً عن مسؤول أميركي، إن إسرائيل تعاني من نقص في صواريخ Arrow الاعتراضية الدفاعية ما يثير مخاوف بشأن قدرة البلاد على مواجهة الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي تطلقها إيران، إذا لم يتم حل الصراع قريباً.
وأضاف المسؤول، أن الولايات المتحدة كانت على علم بمشاكل في أنظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية منذ أشهر، وتعمل على تعزيز دفاعات إسرائيل بأنظمة برية وبحرية وجوية. ولفت إلى أنه منذ تصاعد الصراع في يونيو الجاري، أرسلت وزارة الدفاع الأميركية مزيداً من أصول الدفاع الصاروخي للمنطقة، لكن هناك قلق من أن الولايات المتحدة قد تستنزف صواريخها الاعتراضية أيضاً.
وبحسب الصحيفة، لم تستجب شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية، المصنعة لصواريخ Arrow الاعتراضية، لطلب للتعليق، فيما ذكر الجيش الإسرائيلي، في بيان، أنه “مستعد وجاهز للتعامل مع أي سيناريو.. ولا يمكن التعليق على المسائل المتعلقة بالذخائر”.
وبدون إعادة إمدادات من الولايات المتحدة أو مشاركة أكبر من القوات الأميركية، تشير بعض التقييمات إلى أن إسرائيل يمكنها الحفاظ على دفاعها الصاروخي لمدة 10 أو 12 يوماً إضافياً إذا حافظت إيران على وتيرة ثابتة من الهجمات، وفقاً لما ذكره شخص مطلع على تقييمات الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية.
ذكرت مصادر مطلعة أنه قد لا تتمكن أنظمة إسرائيل إلا من اعتراض نسبة أصغر من الصواريخ بسبب الحاجة إلى ترشيد الذخائر الدفاعية. وقال المصدر المطلع الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسألة حساسة، إن إسرائيل ستحتاج إلى اختيار ما تريد اعتراضه.
وأشار تال إنبار، خبير الصواريخ الإسرائيلي التابع لتحالف مناصرة الدفاع الصاروخي في فرجينيا، إلى أنه في عام 2014 سعت إسرائيل إلى وقف إطلاق النار مع حركة “حماس” قبل أيام من نفاد صواريخ الاعتراض للدفاع الجوي. وذكر إنبار، أن مستوى مخزونات الصواريخ الاعتراضية موضوع “حساس للغاية” في إسرائيل، لكنه “قد يكون عاملاً في وقف إطلاق النار” هذه المرة أيضاً.
وتستخدم إسرائيل نظام دفاع جوي متعدد الطبقات، يتكون من “القبة الحديدية”، التي تعترض الصواريخ منخفضة الارتفاع، ومنظومتي “مقلاع داود”، و”السهم”، ومنظومتي الدفاع الصاروخي Patriot، وTHAAD اللتين تم تسليمهما من الولايات المتحدة. وقال إنبار، إن إحدى المشكلات التي تواجه إسرائيل هي اعتمادها بشكل كبير على نظام باهظ الثمن نسبياً، والذي يطلق صواريخ تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد 3 ملايين دولار، لمواجهة الهجمات من إيران.
وأضاف أنه في حين أن صواريخ “القبة الحديدية” الاعتراضية غير المكلفة والمنتجة بكميات كبيرة مفيدة ضد الصواريخ البدائية التي تطلقها “حماس”، فإن “القبة الحديدية” غير فعالة ضد صواريخ إيران، لافتاً إلى أن الأمر أشبه بإطلاق مسدس عيار 9 ملم على الصواريخ الإيرانية الثقيلة التي تنطلق عبر الغلاف الجوي الخارجي بسرعة تفوق سرعة الصوت بعدة مرات.
لا تقتصر قدرة إسرائيل على تحمل حرب صاروخية مطولة على عدد صواريخ الاعتراض من طراز “القبة الحديدية”، أو “مقلاع داود”، أو Arrow المخزنة لديها فحسب، بل هي تفاعل ديناميكي بين الإنتاج المحلي، والابتكار الفوري، وإعادة الإمداد من الخارج.
وبنت شركات إسرائيلية مثل Rafael، وIMI Systems قاعدة صناعية دفاعية متكاملة للغاية مع سلاسل توريد معيارية، ما يسمح بالتكيف السريع خلال أوقات الحرب العصيبة، وذلك وفقاً لخبيرة الشؤون الأمنية الأميركية. ومع ذلك، فإن الصراعات شديدة الحدة، مثل حرب صاروخية شاملة مع إيران، قد تستنزف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الحالية في غضون 7-10 أيام عند ذروة الاستخدام، خاصة إذا تزامنت ضربات إيران من جبهات متعددة، بما في ذلك لبنان، وسوريا، والعراق.
الدعم الأميركي
قال الجيش الإسرائيلي، إن وزارة الأمن تواصل تنفيذ جسريها الجوي والبحري لنقل المعدات العسكرية والذخائر إلى إسرائيل. وهبطت أيام الحرب الأولى طائرات شحن عسكرية في إسرائيل، محملة بمعدات لصالح منظومة الأمن، وذلك في إطار تعزيز الاستمرارية التشغيلية، وتلبية جميع احتياجات الجيش الإسرائيلي، سواء لتحقيق أهداف الحرب أو لتعزيز الجاهزية واستكمال المخزونات.
وفي أثناء أيام الحرب، وصلت إلى إسرائيل 14 طائرة شحن عسكرية جديدة، لتنضم إلى أكثر من 800 طائرة هبطت في البلاد ضمن الجسر الجوي الذي تديره وزارة الأمن منذ اندلاع حربها على قطاع غزة في7 أكتوبر 2023. وتُعد عملية النقل الواسعة النطاق ثمرة تعاون مشترك بين مديرية المشتريات الدفاعية (مانهار)، من خلال وحدة التنسيق للنقل الأمني الدولي، وبعثات المشتريات في الولايات المتحدة وألمانيا، إلى جانب شعبة التخطيط وبناء القوة في الجيش الإسرائيلي وسلاح الجو.
وفي هذا الصدد، أكد خبراء الدفاع أن إسرائيل لا تخوض الحروب بمعزل عن غيرها، لافتة إلى أن الولايات المتحدة تحتفظ بمخزون ذخيرة احتياطي حربي داخل إسرائيل، والذي يشمل ذخائر دقيقة التوجيه، وقذائف مدفعية، ومكونات دفاع صاروخي. وبالإضافة إلى ذلك، وافق الكونجرس الأميركي على عمليات تجديد طارئة في غضون أيام من اندلاع الحرب، كما حدث خلال النزاعات السابقة مع غزة ولبنان.
وفي حرب كبرى مع إيران، يمكن أن يتوقع بشكل معقول أن تبدأ عمليات النقل الجوي اللوجستي الأميركي في غضون 48-72 ساعة، ما لم تكن هناك عوائق سياسية. ومن المرجح أن تُسرع الإدارة الأميركية، وتُقدم دعماً استخباراتياً إضافياً، بما في ذلك تتبّع منصات الإطلاق المتحركة عبر الأقمار الصناعية.
وأشار خبراء الأمن الأميركيين إلى أن الجاهزية المستدامة غير مضمونة، مؤكدة أن قدرة إسرائيل على التحمّل طويل الأمد في مثل هذا الصراع لا تعتمد فقط على العتاد، بل أيضاً على المرونة البشرية، والقيادة والسيطرة تحت الضغط، والقدرة على توسيع الإنتاج دون تعريض المواقع الصناعية لضربات إيرانية أو من حزب الله. وأكدوا أنه لا تأتي نقطة “الانهيار الفعلية” إلا إذا امتدت الحرب لأكثر من 21 يوماً، مع هجمات متزامنة على منشآت الإنتاج أو المراكز اللوجستية، خاصة إذا تمكن حزب الله من ضرب المصانع أو شرايين النقل داخل إسرائيل. فيما أشار الضابط السابق في القوات الجوية البريطانية أندرو فوكس، إلى أن إسرائيل من المفترض أن تتمكن من الاعتماد على إعادة الإمداد الأميركية للصواريخ الاعتراضية والذخائر الهجومية.
وذكرت التقديرات الأولية، أن إسرائيل لديها ما يكفي من الصواريخ الاعتراضية لمدة 10-14 يوماً، لكن هذا التقدير سيطول مع انخفاض الهجمات الإيرانية، وفقاً للضابط السابق في القوات الجوية البريطانية “فوكس”. ولفت الخبير البريطاني، إلى أن معدل إنتاج الصواريخ الإيراني الشهري حوالي 50 صاروخاً، وفي ظل كثافة الحرب، يُعد هذا الرقم “مثيراً للسخرية”، مضيفاً أن الدعم الأميركي يمنح إسرائيل ميزة لوجستية لا تُضاهى.
من جهته، يرى مدير “بورنهام جلوبال”، وهي شركة توفر حلولاً أمنية، ومدير شركة “فاليندابا فينتشرز” الاستشارية، جون سيكو، أن إسرائيل من غير المرجح أن تعاني بشكل كبير من نقص المخزونات، ربما باستثناء بعض الذخائر المتخصصة. وقال في تصريحات لـ”الشرق” إن إسرائيل في وضع أفضل بكثير من إيران، لافتاً إلى أن استمرار الحرب لأمد طويل يعتمد على قرار الولايات المتحدة بالتدخل في الحرب ومدى وحجم التدخل.
عاملان يصنعان الفارق
بعيداً عن التدخل الأميركي الذي غير قواعد اللعبة، ومصير البرنامج النووي الإيراني، فإن عاملين سيساعدان في تحديد مستقبل الحرب بين إسرائيل وإيران: احتياطي إسرائيل من الصواريخ الاعتراضية، ومخزون إيران من الصواريخ متوسطة المدى.
وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” إنه منذ خلال الحرب الإيرانية الإسرائيلية اعترض نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي الرائد في العالم معظم الصواريخ الباليستية الإيرانية القادمة، ما أعطى القوات الجوية الإسرائيلية المزيد من الوقت لضرب إيران دون تكبد خسائر كبيرة في الداخل. ومع استمرار الحرب، استطاعت إسرائيل إطلاق صواريخ اعتراضية أسرع من قدرتها على إنتاجها، وأثار ذلك تساؤلات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن ما إذا كانت صواريخ الدفاع الجوي في البلاد ستُستنفد قبل أن تستنفد إيران ترسانتها الباليستية، وفقاً لـ8 مسؤولين حاليين، وسابقين.
وفقاً للمسؤولين، اضطر الجيش الإسرائيلي بالفعل إلى ترشيد استخدامه للصواريخ الاعتراضية، ويعطي أولوية أكبر للدفاع عن المناطق المكتظة بالسكان والبنية التحتية الاستراتيجية، وتحدث معظمهم بشرط عدم الكشف عن هويتهم ليتمكنوا من التحدث بحرية أكبر.
وقال العميد ران كوخاف، الذي قاد منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية حتى عام 2021 ولا يزال يخدم في الاحتياط العسكري، إن الصواريخ الاعتراضية “عددها محدود”، مضيفاً أنه إذا كان من المفترض أن يصيب صاروخ مصافي التكرير في حيفا، فمن الواضح أن اعتراضه أهم من اعتراض صاروخٍ سيصيب صحراء النقب، وذكر أن الحفاظ على أنظمة الاعتراض الإسرائيلية “يُمثل تحدياً”.
وقال آساف كوهين، القائد الإسرائيلي السابق الذي قاد قسم إيران في مديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إن القضية الحقيقية تكمن في عدد منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، وليس في عدد الصواريخ. وأضاف كوهين، أنه كلما زاد عدد الصواريخ المُصابة، زادت صعوبة إطلاقها للوابل، وإذا أدركت إيران أن لديها مشكلة في قدرة الإطلاق، فستلجأ إلى إطلاق صاروخ أو صاروخين بين الحين والآخر، مُوجهين إلى منطقتين مختلفتين في آن واحد.
في ضوء ما سبق، يتضح أن تكتيك الإغراق مثّل تحولاً استراتيجياً مهماً في طبيعة المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل، إذ كشف عن مواطن ضعف حقيقية في منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، رغم ما تمتاز به من تطور تقني وتعدد في الطبقات. وقد استطاعت إيران، من خلال توظيف هذا التكتيك بذكاء، أن تُحدث خلخلة في ميزان الردع الإقليمي، مظهرةً أن الكم الهائل من الهجمات المتزامنة، خصوصاً عند تنويعها بين الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية والجوالة، يمكن أن يتجاوز قدرات حتى أكثر الأنظمة الدفاعية تطوراً وكلفة.
ومع تزايد الضغط على المخزون الصاروخي الاعتراضي الإسرائيلي وارتفاع التكلفة التشغيلية لكل يوم من القتال، أصبحت إسرائيل تعتمد بشكل متزايد على الدعم الأميركي لتعويض النقص في أنظمتها الدفاعية. هذا التحدي لا يهدد فقط فاعلية الردع الإسرائيلي على المدى القريب، بل يكشف أيضاً حدود القوة في الحرب الحديثة التي لا تُحسم فقط بالتفوق التكنولوجي، بل بالقدرة على الصمود في حروب الاستنزاف المتعددة الجبهات. ومن هنا، فإن استمرار هذا النوع من الحروب قد يفرض على إسرائيل وإيران على حد سواء إعادة تقييم عميقة لاستراتيجيات الردع والرد والقدرات الدفاعية
يرجى الاطلاع على المزيد من المقالات حول البحوث العسكرية
لخدماتنا المختلفة يرجى الاطلاع على قسم الاستشارات
مراجع المقال
- واشنطن بوست، أن معدل الاعتراض الإسرائيلي يقدّر بـ 80–90٪، وأن الهجمات بصواريخ متعددة تُربك التنظيم الدفاعي. https://www.wsj.com/livecoverage/israel-iran-attack-news/card/why-israel-s-world-class-air-defenses-aren-t-stopping-every-missile-gjVnFV0mD1RVpHfBQTGw
- واشنطن بوست، بنية الدفاع الجوي متعدد الطبقات (القبة الحديدية، مقلاع داود، Arrow 2/3) ) ودورها في التصدي للهجمات الإيرانية. https://www.washingtonpost.com/world/2024/04/15/israel-air-defense-iron-dome-iran/
- موقع الهند اليوم، تقنية الفعل والصاروخ حقيقي “فتح‑2” بسرعات تفوق Mach 5 مع قدرة المناورة لتفادي الدفاعات com.autimesofisrael.com+13indiatoday.in+13indiatoday.in+13
🔗 (India Today) - موقع com، إطلاق صاروخ فتح‑2 في أبريل 2024 واستهداف قواعد جوية إسرائيلية بعد أن استطاع الصاروخ تجاوز الدفاعات الجوية الإسرائيلية. https://armyrecognition.com/news/army-news/army-news-2024?start=2400
- تايم أوف إسرائيل، تقرير حول كشف إيران عن Fattah II بمدى ~1400 كم وقدرة على المناورة بتقنية HGV لتفادي اعتراض Arrow/Patriot. https://www.timesofisrael.com/iran-unveils-improved-hypersonic-missile-claims-it-can-evade-air-defense-systems/

