الاتفاق النووي الايراني وتداعياته على دول الخليج

المواضيع ذات الصلة

منطقة اعلانية

spot_img

الاتفاق النووي الايراني وتوجهات الخميني

منذ مجيء نظام الخميني إلى الحكم زادت التوترات في منطقة الخليج وبدأت بالحرب العراقية-الإيرانية، وقد قامت إيران خلال تلك الحرب بشن هجمات على ناقلات البترول التابعة لدول الخليج. وبعد انتهاء الحرب سعى النظام الإيراني بكل السبل إلى امتلاك سلاح نووي تدعمه ترسانة الصواريخ البالستية التي يمتلكها وقد عمل البرنامج النووي الإيراني إلى وضع خطوات محددة لزيادة تخصيب اليورانيوم حتى يتمكن من تصنيع سلاح نووي مدمر، وهذه هي حقيقة البرنامج النووي الإيراني مهما أعلنت إيران من أن نيتها استخدام برنامجها النووي سيكون في الأغراض السلمية لأن سياسة إيران ودعمها للجماعات الإرهابية وحروب الوكالة التي تشنها تؤكد سوء نية النظام الإيراني.

أثناء ولاية عهد أوباما عقدت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، واشتمل الاتفاق على رفع العقوبات الاقتصادية مقابل إيقاف إيران برنامجها النووي. رفع العقوبات الاقتصادية ساعد إيران في تحسن اقتصادها، ولكن النظام الإيراني استخدم ذلك التحسين الاقتصادي في تمديد نفوذه الخارجي، ودعم الجماعات الإرهابية التابعة له في أن يشن حروب بالوكالة في العراق، واليمن، وسوريا ولبنان. ومع تعليق إدارة ترامب الاتفاق عادت إيران لتفعيل برنامجها النووي مرة أخرى وإثارة التوترات في منطقة الخليج، ولكن مع مجيء الرئيس بايدن للحكم كانت أولى خطواته هي إحياء الاتفاق النووي الإيراني وشجعته الحرب الروسية-الأوكرانية على ذلك وجعل ذلك إيران تحسن من بنود الاتفاقية لصالحها.

مراحل تطور البرنامج النووي الإيراني

يرجع بداية إيران مع البرنامج النووي منذ عهد الشاة وقد تلقى مساعدة كبيرة ودعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد الإطاحة بالشاة توقف البرنامج النووي الإيراني مع مجيء نظام الخميني حيث كانت عقيدتهم الدينية وقتها تحرم ذلك، ولكن مع انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية وامتلاك إيران صواريخ باليستية وتطويرها لترسانتها عادت إيران لتجاربها النووية وطورتها، بجانب أيضاً تطويرها للأسلحة الكيماوية والبيولوجية، ومع زيادة رغبة نظام الخميني في تصدير الثورة خارج البلاد كان دافع امتلاك سلاح نووي هو وجود سلاح ردع لتعويض فرق القوة بينها وبين الولايات المتحدة والدول الغربية وتهديد دول الخليج العربي، وبالفعل من وقتها دأبت إيران على إثارة التوترات والنزاعات في منطقة الخليج وفي مناطق متفرقة من العالم العربي عن طريق قوات الحرس الثوري الإيراني.

لقد بدأت إيران أولى خطواتها مع البرنامج النووي أثناء عهد الشاة وكان في ذلك الوقت مدعوماً بقوة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بغرض وجود دولة في منطقة الشرق الأوسط قادرة على الوقوف ضد الاتحاد السوفيتي وتابعة للقطب الغربي أثناء الحرب الباردة، وفي هذا الوقت وقعت إيران اتفاقها النووي مع الولايات المتحدة عام 1957، لإنشاء 23 مفاعلاً نووياً لتكون قادرة على العمل بحلول التسعينات لتغطية جميع الأراضي الإيرانية لتوليد الطاقة الكهربائية. ولكي تضمن الولايات المتحدة سلمية استخدام إيران للطاقة النووية فقد وقعت إيران على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية ويصبح البرنامج النووي الإيراني مستخدماً في الأغراض السلمية. تمكنت إيران في ذلك الوقت من بناء البنية التحتية الأساسية (1).

بعد الإطاحة بالشاة بعد الثورة الإسلامية توقف البرنامج النووي الإيراني منذ عام 1979، بسبب تأُثير الحرب العراقية-الإيرانية وتدمير معظم البنى التحتية وأيضاً كانت لدى قادة إُيران الجدد رؤية أيديولوجية بتحريم أسلحة الدمار الشامل. لكن بعد انتهاء الحرب بدأت إيران في العودة لبحث بناء مفاعلات نووية لتوليد الطاقة الكهربية وهو ما أعلنت إيران، لكن النيات الحقيقية لبرنامج إيران النووي بدأ يتكشف بعد زيارات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ عام  2003 (2).

لقد ذكر مسؤولو التفتيش لوكالة الطاقة الذرية أن هناك بعض المنشآت الإيرانية النووية بها تقنيات معقدة تخص تخصيب اليورانيوم وهو ما يؤكده إعلان إيران بحصولها على مواد يتم استخدامها لاستخلاص عنصر اليورانيوم في وقود القنابل النووية، وقد دعمت إيران ذلك بتجاربها لإنتاج الماء الثقيل. لقد تمكن مفتشي الوكالة الدولية من خلال تحليل التربة معرفة أن إيران وصلت لمستويات عالية في تخصيب اليورانيوم مما يوضح أن طهران قد أخلت بالتزاماتها في المعاهدة وقد صرح بذلك الدكتور/محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقتها بذلك، وطالب بإجراء تفتيش استثنائي على المنشآت الإيرانية النووية.

تمكن مسؤولو الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول إلى موقعين عسكريين يتم استخدامهم لإجراء تجارب تفجيرية وتخزين مواد نووية. أعلنت طهران رفضها لزيارات أخرى لمفتشي الوكالة وقامت إيران عام 2005، بفك أختام الوكالة الدولية ووسائل المراقبة على المنشآت النووية لإيقاف أي محاولة تكشف عن تجارب نووية أخرى لليورانيوم. رفض طهران الاقتراح بأن يتم تخصيب اليورانيوم في روسيا وحد الموقف الدولي لتحويل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، ولكن دون وجود تدابير ضد إيران وعندما أعلن الرئيس الإيراني وقتها /أحمدي نجاد، إيقاف التعاون مع الوكالة الدولية، أصدر مجلس الأمن قرار بفرض عقوبات اقتصادية على إيران.

عام 2015، توصلت المفاوضات مع إيران والدول الست الكبرى إلى توقيع اتفاق يسمح لمفتشي الوكالة بالعودة لإيران ودخول المواقع المشتبه بها مقابل رفع العقوبات الاقتصادية على إيران، وتم تفعيل الاتفاق عام 2016. بعد إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن تنفيذ إيران لتعهداتها بموجب الاتفاق الموقع مع الدول الكبرى. في عام 2018، أعلن الرئيس الأمريكي انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وعودة العقوبات الاقتصادية على إيران ولم تنجح الدول الأوروبية في إثناء واشنطن في العدول عن قرارها.

دوافع وأهداف إيران لامتلاك سلاح نووي

ظاهر البرنامج النووي الإيراني غير باطنه. يصرح المسؤولين الإيرانيين دائماً أن هدف إيران من إنشاء البرنامج النووي هو من أجل الأغراض السلمية، وعلى الدوام ينكرون نيتهم في استخدامه لتصنيع أسلحة نووية، ولكن هذا الإنكار لا يتوافق مع أعمال إيران الاستفزازية في منطقة الخليج العربي وتطويرها لترسانة الصواريخ البالستية لديها وتمويلها للحروب بالوكالة في الشرق الأوسط ومحاولة زعزعة استقرار أمن دول الخليج.

الدوافع السياسية. حيث أصبح من أساسيات تقوية أركان النظام الإيراني الحالي لأنه متأصل في الرؤية الاستراتيجية الإقليمية والدولية لإيران حتى تقوي وجودها على الساحة كقوة إقليمية قادرة على إحداث تأثير في خريطة الشرق الأوسط والتأُثير في مجريات العالم وهذا يتضح من محاولة النظام الأمريكي الحالي إعطاء فرصة لإيران للعودة للمجتمع الدولي من خلال إتمام الاتفاق النووي حتى تزيد إيران من انتاجها للبترول لتغطية الطلب العالمي بسب مقاطعة البترول الروسي.

دوافع إيران الاقتصادية. استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء لها فوائد اقتصادية كبيرة حيث بامتلاك إيران القدرة على تخصيب اليورانيوم بالنسبة المطلوبة، فإنه بمقدورها أن تقوم بتوليد الطاقة الكهربائية من المفاعلات النووية بنسبة 20%، من انتاج الكهرباء مما يسد احتياجات الزيادة السكانية المتنامي ودعم الخطط الاقتصادية للصناعات الإيرانية وتقليل التكلفة للإنتاج مما يشجع الاستثمارات الأجنبية ورؤوس الأموال الخارجية. إضافة إلى ذلك فإن استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء يقلل من استخدام الوقود الأحفوري مما يزيد من الصادرات الإيرانية للنفط والغاز ويزيد من الدخل القومي العام (3).

الدوافع العسكرية الإيرانية لامتلاك أسلحة نووية. لا يمكن إنكار دوافع إيران العسكرية من تطوير البرنامج النووي والذي يقف وراءه سعيها لتعزيز قدراتها العسكرية بما يتوافق مع إنتاج قنابل نووية يمكن استخدامها مع الصواريخ البالستية الإيرانية. امتلاك إيران أسلحة نووية مع صواريخ بالستية يعزز من قدرات الردع الدفاعية لديها لمواجهة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية، ويعزز من دورها الاستراتيجي في منطقة الخليج والشرق الأوسط، إضافة إلى أنه يقوي من وجود النظام الإيراني المتشدد ومواجهة المتغيرات الدولية.

الدوافع القومية وحلم عودة الإمبراطورية الفارسية. ما تزال فكرة عودة الإمبراطورية الإيرانية تراود قادة إيران وهو ما تقوم به الأنظمة الإعلامية للنظام في الوقت الحالي وتصريحات المسؤولين الإيرانيين تؤكد ذلك. إن سعي النظام الإيراني لتمديد نفوذه من خلال استغلال الأقليات الشيعية في الكثير من دول المنطقة واللعب على وتر الطائفية وعودة الإمام هو ها تسعى إيران لترويجه لتعزيز نفوذها في تلك الدول واستخدام الجماعات الإرهابية في حروب الوكالة، حتى يتسنى لإيران الضغط على الدول الخارجية في المضي قدماً في تنفيذ برنامجها النووي وهو ما جعل الدول الغربية والولايات المتحدة تحاول إيقافه من خلال الاتفاق النووي من أجل تعطيل إيران لتنفيذ ذلك، ولكن ذلك حل مؤقت تستغله إيران في صالحها حتى تعزز اقتصادها ثم تعود مرة أخرى لتجارب تخصيب اليورانيوم.

عودة ترامب وملامح الموقف السياسي الأمريكي تجاه الاتفاق النووي الايراني

البراغماتية السياسية الأمريكية والملف النووي. تتضح ملامح السياسة الأمريكية تجاه احتمالية الوصول إلى اتفاق نووي مع إيران بأنها تقوم على البراغماتية السياسية والتوازن بين الضغط العسكري والدبلوماسية العودة للاتفاق دون تسويقه كتنازل، حيث تسعى إدارة ترامب إلى التوصل لاتفاق نووي مشابه لاتفاق 2015، رغم أنها سبق أن انسحبت منه عام 2018، إلا أنها تحاول تقديم أي اتفاق جديد كإنجاز سياسي يُحسب للرئيس ترامب، خاصة في ظل الحاجة المشتركة من الطرفين إلى تهدئة التوترات. هذا يعكس توجهاً براغماتياً، حيث يُعاد تبني نفس الصيغة السابقة، ولكن بصياغة تُعطي الانطباع بأنها مختلفة ونتيجة لضغط أمريكي(4).

التعامل مع إيران من موقع قوة وتوازن التهديد والدبلوماسية. هذه المرة تتبنى واشنطن نهجًا مزدوجًا، يجمع بين التلويح باستخدام القوة العسكرية وتعزيز الوجود العسكري في المنطقة، وفي الوقت نفسه فتح قنوات تفاوض مباشر عبر مبعوثين وتواصل غير مباشر مع أطراف ثالثة كروسيا. هذا النهج يهدف إلى دفع إيران للتفاوض من منطلق الضعف وليس الندية.

الانقسام داخل الإدارة الأمريكية بشأن عقد محادثات مع إيران. من الواضح أن هناك انقسام داخلي في الإدارة الأمريكية بين مؤيدين للخيار العسكري مثل وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ومؤيدين للحل الدبلوماسي مثل نائب الرئيس ووزير الدفاع. أما الرئيس ترامب، فيتخذ موقع “الوسيط الحازم”، موازنًا بين التصعيد السياسي والانفتاح التفاوضي، وهو ما يدل على غياب استراتيجية موحدة، مع بقاء القرار النهائي في يد الرئيس بحسب الظروف السياسية والميدانية.

توظيف فشل إيران الإقليمي والعسكري كأداة ضغط. تُدرك السياسة الأمريكية أن إيران تمر بـ مرحلة ضعف استراتيجي على عدة مستويات، منها تفكك محورها الإقليمي، الضربات الإسرائيلية لمواقعها في سوريا وإيران، وفشل حملاتها الصاروخية والطائرات المسيّرة. وتُستثمر هذه الحالة لدفع إيران إلى القبول بتسوية تفاوضية، خشية أن يؤدي استمرار العقوبات والضغوط إلى تفاقم أزمتها الداخلية وربما انهيار النظام.

الهدف الأمريكي: اتفاق واقعي لا مثالي. رغم الانتقادات التي وُجّهت لاتفاق 2015 لقصر مدته واستبعاده برنامج الصواريخ، تُظهر واشنطن اليوم استعدادها لقبول اتفاق قريب منه، طالما يمنع التخصيب فوق نسبة 3.67%. وهذا يشير إلى أن الولايات المتحدة تفضّل اتفاقًا ممكن التحقيق على انتظار اتفاق شامل يصعب التوصل إليه، خاصة في ضوء التوترات العالمية الأخرى التي تواجهها.

وساطة عربية مباشرة. ما يميز استئناف المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران هو الوساطة العربية لسلطنة عمان، حيث أُجريت جولات حديثة في روما. وقد أقرّ الجانبان بوجود تقدم، رغم استمرار التباين الكبير بين مواقفهما. وتبدو الولايات المتحدة منقسمة داخليًا، حيث تتأرجح بين المطالبة بتفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني وبين تبني موقف أكثر واقعية يشبه اتفاق عام 2015 . وفي الوقت الذي ترفض فيه إيران الحوار المباشر مع واشنطن، فإنها شاركت عبر قنوات غير مباشرة، ما يشير إلى انفتاح مشروط على التفاوض.

الموقف الإماراتي. يحيط التفاؤل الحذر لقوى إقليمية مثل الإمارات، مقابل المعارضة الإسرائيلية. ويعكس هذا المشهد الدبلوماسي المعقد توازنًا دقيقًا بين إظهار القوة، وإدارة التحالفات، وإرسال الرسائل الاستراتيجية من جميع الأطراف. وعلى الرغم من الخطاب المتشدد، فقد أظهر ترامب بعض ضبط النفس، إذ طلب من إسرائيل تأجيل أي ضربات عسكرية، وألمح إلى أن اتفاقًا نوويًا يمكن أن يغيّر السلوك الإقليمي لإيران بشكل إيجابي—ما يدل على أن الدبلوماسية لا تزال المسار المفضل، وإن كانت تحت تهديد القوة(5).

الموقف السياسي الإيراني والحسابات الاستراتيجية

حذر وريبة وإصرار. تتعامل إيران مع المفاوضات بحذر شديد، وتشعر بالريبة العميقة تجاه مصداقية الرئيس ترامب، خاصة بعد انسحابه من اتفاق 2015. ورغم رفضها للحوار المباشر، فقد انخرطت طهران في محادثات غير مباشرة، مع التأكيد على حقها السيادي في تخصيب اليورانيوم بموجب القانون الدولي. ويصر القادة الإيرانيون على أن أي اتفاق يجب أن يضمن حق إيران في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، رافضين المطالب المتعلقة بالتفكيك الكامل للبرنامج النووي.

التقارب الإيراني مع دول الخليج. في الوقت ذاته، تستثمر إيران في الدبلوماسية الإقليمية، خاصة مع دول الخليج، لتعزيز موقعها التفاوضي وتعد زيادة وزير الدفاع السعودي لإيران فرصة لتقريب وجهات النظر وقد بدأ ذلك منذ رعاية الصين لاستئناف العلاقات السعودية الإيرانية. وقد تبنى المرشد الأعلى علي خامنئي لهجة حذرة، مؤكدًا على نهج “لا تفاؤل مفرط ولا تشاؤم”، في انعكاس لسياسة طهران القائمة على الصبر الاستراتيجي. وتشير الرسائل الإيرانية المتكررة إلى أن هدفها الأساسي هو رفع العقوبات دون التفريط في مصالحها الأمنية الجوهرية، خصوصًا ما يتعلق ببرنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي.

موقف إسرائيل والمخاوف الأمنية من الاتفاق النووي الايراني

رفض قاطع. تتمسك إسرائيل برفضها القاطع لأي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك كامل للبنية التحتية النووية الإيرانية. وتعتبر الحكومة الإسرائيلية أن قدرة إيران النووية تمثل تهديدًا وجوديًا، وقد دعت إلى اتفاق شبيه بالنموذج الليبي، الذي يتضمن نزعًا كاملاً ولا رجعة فيه للأسلحة النووية. غير أن هذا النموذج يُعد غير مقبول تمامًا بالنسبة لطهران، التي تخشى تكرار سيناريو سقوط القذافي بعد تخليه عن برنامجه النووي.

العزم على شن ضربات عسكرية. ولم تُرحب إسرائيل باستئناف المحادثات النووية، وتشير تقارير إلى أنها لم يم استشارتها مسبقًا بشأن هذه المفاوضات. كما تفيد مصادر استخباراتية أن إسرائيل درست احتمالية شن ضربات على المنشآت النووية الإيرانية في عام 2025، إلا أن ترامب طلب منها تأجيل أي إجراء من هذا النوع لإعطاء فرصة للمفاوضات. ويعكس موقف إسرائيل مخاوفها الاستراتيجية من أن أي اتفاق تسوية قد يتيح لإيران الاحتفاظ بقدرات تؤهلها لاحقًا لتصنيع سلاح نووي، مما يدفع تل أبيب إلى البقاء في حالة تأهب دائم لشن ضربات وقائية إذا لزم الأمر.

دور دول الخليج وإعادة تموضعها الإقليمي لتصبح الوسيط النشط

الدور النشط للرياض وأبوظبي. على عكس مفاوضات عام 2015، تشارك الدول العربية الخليجية اليوم بشكل أكثر فاعلية في العملية الدبلوماسية النووية. فقد انتقلت دول مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من دور المنتقد السلبي إلى دور الوسيط النشط. حيث قامت الإمارات بنقل رسائل بالنيابة عن الولايات المتحدة لبدء الحوار مع إيران، في حين عرضت السعودية التوسط وأرسلت وزير دفاعها إلى طهران لعقد اجتماعات رفيعة المستوى.

احتمالية تقليل التوترات وتعزيز الاستقرار الإٌقليمي. هذا التحول يعكس إعادة تقييم استراتيجية أوسع؛ إذ تدرك دول الخليج أن التوصل إلى حل تفاوضي قد يسهم في تقليص التوترات الإقليمية والحد من المغامرات الإيرانية، خاصة بعد سنوات من الصراعات بالوكالة التي زعزعت الاستقرار في المنطقة. ومن جانبها، تحرص إيران على إطلاع جيرانها العرب على مجريات المفاوضات لتعزيز الشفافية وتخفيف حدة المعارضة. ويشير التقارب المتزايد بين الرياض وطهران إلى بروز نوع من التوافق الإقليمي لصالح الاستقرار، حتى وإن ظلت حالة من عدم الثقة كامنة في الخلفية.

التداعيات السلبية لتعليق الاتفاق النووي الإيراني وعدم وجود رقابة دولية

تباين الآثار السلبية لاستمرار أو تعليق الاتفاق. في حال استمرار إيران تطوير برنامجها النووي أو تعليقه، فإن هناك تداعيات لذلك على دول الخليج بشكل مباشر. الموقف من الاتفاق النووي الإيراني يتباين بين دول الخليج العربي ويختلف موقف بعض الدول الخليجية تجاه ذلك. هناك عدة عوامل يرتكز عليها ذلك الاختلاف تعود للبيئة الداخلية والمصالح الإقليمية والدولية. إن شعور إيران بالإقصاء الدولي يدفعها بجنون إلى العناد وزيادة التوترات والإسراع في تطوير برنامجها النووي لتخصيب اليورانيوم وهو ما سيكون له تأُثير سلبي كبير وتداعيات خطيرة في حال نجحت إيران من الوصول لإنتاج قنبلة نووية. لذلك فرغم سلبيات الاتفاق النووي على دول الخليج فإن هناك تداعيات أخرى خطيرة في حال عدم إيقافها لبرنامجها النووي.

معايير نجاح الاتفاق وتجنب السلبيات على دول الخليج. الاتفاق النووي الإيراني له عدة أوجه يجب النظر من خلالها. أولاً لابد من دراسة مدى تأُثير الاتفاق النووي السابق ومدى التزام إيران به، هو ما يحدد نجاحه وتداعياته وتأثيره على دول الخليج العربي وبخاصة السعودية والإمارات. يجب إدراك أن التوترات التي شهدتها منطقة الخليج العربي منذ توقيف الاتفاق النووي الإيراني كانت كبيرة وخطيرة وخلالها تم الهجوم على المملكة العربية السعودية والإمارات بالطائرات المسيرة وزادت حدة التوترات في المنطقة.

خطورة إقصاء إيران من المشهد وأهمية مراقبة الاتفاق. إن انسحاب إيران من الاتفاقية السابقة بعد انسحاب الولايات المتحدة جعل إيران تستمر في إجراء التجارب على تخصيب اليورانيوم دون رقابة من مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما أعطاها الفرصة للوصول لنسبة تخصيب عالية قريبة من تصنيع قنبلة نووية وهو الأمر الذي يجعل دول الخليج تفكر في كيفية إعادة إيران للاتفاقية، مع وجود بنود حازمة على إجراءاها التجارب وزيادة التشديدات عليها. لذلك فإنه لابد من موازنة الوصول لاتفاقية مع إيران برقابة شديدة أو عدم وصول اتفاقية لإيران وعدم وجود رقابة وتفتيش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

الآثار الإيجابية لاستئناف الاتفاق على إيران والتداعيات الأمنية على دول الخليج

دعم تطوير أنظمة الدفاع الجوي الإيراني. عندما أعلن الرئيس الأمريكي السابق/ترامب، بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية مع إيران، لقى ذلك ترحيباً من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، لأن البرنامج لم يوقف إيران عند حدها في أن تقوم بأعمال استفزازية في منطقة. إضافة إلى ذلك فإن الاتفاق النووي الإيراني دعم تطوير إيران لبرامجها العسكرية والحصول على أنظمة أسلحة جديدة وبخاصة منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-300” إضالة إلى تطويرها لقدراتها في الأنظمة غير المأهولة وزيادة التهديدات ضد دول الخليج(6).

فرص امتلاك إيران لقدرات جوية حديثة وتهديد أمن الخليج. في حال تم الوصول لاتفاقية مع إيران، فإن ذلك يعني رفع العقوبات الاقتصادية من عليها وهو الأمر الذي يسمح للاقتصاد الإيراني بالتعافي والذي ينتج عنه زيادة قدرات إيران المالية لزيادة الميزانية العسكرية، وهو ما يعطيها الفرصة لشراء أسلحة جديدة وبخاصة تحديث القوة الجوية الإيرانية بطائرات حديثة وأكثرها تقدماً طائرات الجيل الخامس، وقد دخلت إيران بالفعل في محادثات مع روسيا والصين لاقتناء تلك النوعية من الطائرات بعد إلغاء العقوبات الاقتصادية عليها عام 2015. اقتناء إيران مثل تلك الطائرات يهدد أمن الخليج بشكل مباشر ويعطيها الفرصة لتنفيذ هجمات سرية.

عدم فاعلية الاتفاق النووي في إيقاف إيران. إن الاتفاق النووي لم يكن فعالًا في إحباط ما يتم اعتباره طموحات إيرانية للحصول على القدرات النووية، التي يمكن لطهران أن تستخدمها لإبراز نفوذها بشكل أكبر في المنطقة على دول الخليج. لقد سهل الاتفاق النووي السابق لإيران بطرق خبيثة تنفيذ مخططاتها، وخاصة أنه لا يوجد فيه قيود مؤثرة على إيران لمواصلة دعم وكلائها في الخارج، مثل حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن الخليج وكان الاتفاق النووي نقطة قوة للاقتصاد الإيراني جعلها قادرة على تمويل حروب الوكالة ضد دول الخليج(7).

هل يوقف الاتفاق تهديدات إيران للخليج. إن الاتفاق النووي مع إيران فرصة لها لتنفيذ طموحها للحصول على قدرات نووية بطرائق غير مباشرة لأنه سيعطي إيران القوة المالية لجلب تلك التقنية من الأبواب الخلفية. على مدار الأعوام السابقة استغلت إيران قدراتها العسكرية في الهجوم على دولة الإمارات العربية المتحدة والسعودية، بل وهاجمت بشكل مباشر القواعد الأمريكية في العراق باستهدافها بصواريخ بالستية. لقد قامت إيران بمهاجمة خطوط الشحن البحرية لدول الخليج ونذكر هنا حادثة الهجوم على ناقلات البترول اليابانية قبالة سواحل الفجيرة.

يرجى الاطلاع على المزيد من المقالات حول

لخدماتنا المختلفة يرجى الاطلاع على قسم الاستشارات

مراجع المقال

(1) “تطور البرنامج النووي الإيراني. موقع مقاتل. Al Moqatel – إيران.. التاريخ والثورة (الثورة الإيرانية من وجهة النظر الإيرانية)

(2) سايمون هندرسون، مقال “تفسير التطور النووي الإيراني”. معهد واشنطن لدراسات الشرق الأقرب. www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/tfsyr-alttwr-alnwwy-alayrany

(3) البرنامج النووي الإيراني في موازين الاستراتيجية الأميركية الجديدة”. موقع الجيش اللبناني. www.lebarmy.gov.lb/ar/content/البرنامج-النووي-الإيراني-في-موازين-الاستراتيجية-الأميركية-الجديدة

(4) تقرير “ترامب قد يعود للاتفاق النووي الذي انسحب منه”. سكاي نيوز عربية. إبريل 2025. ww.skynewsarabia.com/world/1791309-تقرير-أميركي-ترامب-يعود-للاتفاق-النووي-انسحب-منه

(5) نادين إبراهيم، تقرير “استأناف الولايات المتحدة وإيران المحادثات النووية يوم السبت. إليكم ما نعرفه”. موقع سي إن إن. www.edition.cnn.com/2025/04/18/middleeast/us-iran-nuclear-talks-what-we-know-intl/index.html

(6) هل بدأت دول الخليج في تقبل إيران واستيعابها”. جريدة أخبار الشرق الأوسط. يوليو 2022. /mdeast.news/ar/2022/07/27/هل-تغير-أمريكا-سياستها-مع-اتجاه-دول-الخ/

(7) التكلفة والتداعيات ـ اختراق وشيك في الملف النووي الإيراني؟”. موقع دويتش فيلا الألماني. www.dw.com/ar/التكلفة-والتداعيات-ـ-اختراق-وشيك-في-الملف-النووي-الإيراني/a-60910949إعلان