حرب التعريفات الجمركية الأمريكية وتأثيرها على اقتصادات دول الخليج والفرص المتاحة

المواضيع ذات الصلة

منطقة اعلانية

spot_img

الاقتصاد الأمريكي: التحولات والتحديات تحت قيادة ترامب

في عام 2025، يشهد الاقتصاد الأمريكي تحولات جوهرية تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، الذي عاد إلى السلطة بعد فوزه في انتخابات 2024، مستندًا إلى برنامج اقتصادي شعبوي يعيد التأكيد على سياسة “أمريكا أولاً” تسعى هذه السياسة إلى إعادة التوازن للميزان التجاري الأمريكي، من خلال تشديد القيود على الواردات وفرض تعريفات جمركية صارمة تهدف إلى حماية الصناعات الوطنية من المنافسة الأجنبية، واستعادة الوظائف الصناعية التي فقدتها البلاد لصالح الأسواق الخارجية خلال العقود الماضية.

تأتي هذه التحركات في وقت يمر فيه الاقتصاد العالمي بمرحلة حساسة، تتسم بـالتقلبات في أسعار الطاقة، وتباطؤ النمو في الأسواق الناشئة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية في مناطق متعددة من العالم. كما أدت هذه السياسات إلى إثارة موجة من ردود الأفعال الدولية، شملت تحذيرات من منظمات اقتصادية كبرى بشأن تداعياتها المحتملة على سلاسل الإمداد العالمية والتجارة الحرة (3).

التعريفات الجمركية الأمريكية : التفاصيل والأهداف

في أبريل 2025، أعلنت إدارة ترامب عن حزمة تعريفات جمركية شاملة، بفرض رسوم 10% على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة. وفي 5 أبريل، بدأ تطبيق هذه الحزمة، تلتها موجة ثانية في 9 أبريل استهدفت دولًا بفوائض تجارية كبيرة مع أمريكا، مثل الصين وكندا والمكسيك، برسوم تصل إلى 50% [1]. وتُعد هذه الإجراءات جزءًا من استراتيجية لتقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الإنتاج المحلي (2)، ضمن سياسة “أمريكا أولًا” التي تسعى لتحويل الثقل الاقتصادي للداخل.

ووفقًا لبيانات البيت الأبيض، تهدف السياسات لحماية الصناعات المحلية، والحد من إغراق السوق بواردات منخفضة التكلفة، ما يعزز التوظيف ويوفر ميزة للمصنعين الأمريكيين، ويساهم في تعديل الميزان التجاري. لكن هذه الخطوات أثارت تحذيرات من مؤسسات اقتصادية، حيث قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم بسبب زيادة تكاليف الواردات، خاصة السلع الاستهلاكية والمعدات الصناعية (3). وتشير دراسة لمؤسسة الضرائب الأمريكية إلى أن الرسوم قد تضعف القوة الشرائية وتزيد الضغط على الشركات الصغيرة والمتوسطة (2).

عالميًا، حذرت تقارير من احتمال اندلاع حرب تجارية تُربك سلاسل التوريد وتُبطئ حركة التجارة، ما قد يؤدي لركود في بعض الأسواق الناشئة (3). ووفقًا للمنتدى الاقتصادي العالمي، ستكون دول الخليج من أكثر المتضررين نتيجة تأثر صادراتها واستثماراتها (2). وبالتالي، رغم أهدافها الداخلية، تُحدث هذه السياسات تداعيات اقتصادية معقدة عالميًا، مما يستدعي تحليلًا دقيقًا لتأثيرها على العلاقات الاقتصادية بين أمريكا ودول الخليج.

تداعيات التعريفات الجمركية الأمريكية وخسائر الاقتصاد العالمي

وفقًا للتقديرات الرسمية، تكبدت الولايات المتحدة خسائر في القوة الشرائية للمستهلكين بقيمة 494 مليار دولار، مع انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.9%، أي ما يعادل خسارة 268 مليار دولار في الإنتاج الاقتصادي. كما خسرت الأسواق المالية الأمريكية (S&P 500، داو جونز، ناسداك) حوالي 6.4 تريليون دولار في قيمتها السوقية خلال يومين بعد الإعلان عن التعريفات. بالإضافة إلى ذلك، تسببت التعريفات الجمركية الأمريكية في زيادة ضريبية متوسطة بقيمة 2100 دولار لكل أسرة أمريكية، مع توقعات بفقدان 400 ألف وظيفة بسبب تراجع الاستثمارات وتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي. هذه الأرقام تعكس تأثيرًا سلبيًا كبيرًا على الاقتصاد الأمريكي، مع تحذيرات من مخاطر الركود الاقتصادي.

كما اوضحت بعض التقارير باحتمالية حدوث خسائر اقتصادية عالمية كبيرة نتيجة هذه الإجراءات. وفقًا لدراسة من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي الذي أشار بانة قد تقلل التعريفات الجمركية الأمريكية الدخل الحقيقي للولايات المتحدة بنحو 300 مليار دولار سنويًا، بينما قد تؤدي إلى انخفاض الدخل الحقيقي العالمي بنحو 0.3%، أي حوالي 300 مليار دولار إضافية عند اعتبار الناتج المحلي الإجمالي العالمي 100 تريليون دولار. ومع ذلك، إذا أخذنا في الاعتبار ردود الفعل مثل تعريفات مضادة من الصين، قد ترتفع الخسائر إلى حوالي 1 تريليون دولار سنويًا، وفقًا لتقديرات أكسفورد إيكونوميكس التي قدرت الخسائر العالمية بنحو 3 تريليون دولار على مدى خمس سنوات، أي حوالي 600 مليار دولار سنويًا.

وأيضا قد تؤدي زيادة التعريفات الجمركية الأمريكية إلى انخفاض التجارة العالمية بنسبة تصل إلى 15%، مما يعكس تأثيرًا كبيرًا على سلسلة التوريد العالمية. على سبيل المثال، إذا انخفضت الواردات الأمريكية بنسبة 15%، فإن ذلك يعني انخفاض صادرات الدول المصدرة إلى الولايات المتحدة، مثل الصين والمكسيك، بقيمة تقدر بـ480 مليار دولار (بناءً على قيمة الواردات الأمريكية البالغة 3.2 تريليون دولار في 2024).

بالإضافة الي ان الاقتصادات الكبرى قد تتأثر بشكل كبير. على سبيل المثال، قد تتجاوز خسائر الصين 150 مليار دولار نتيجة انخفاض صادراتها إلى الولايات المتحدة، حيث بلغت صادراتها إلى الولايات المتحدة حوالي 587 مليار دولار في 2024، وفقًا لـ بيانات البنك الدولي بالنسبة للمكسيك، التي تعتمد بشكل كبير على الصادرات إلى الولايات المتحدة (حوالي 400 مليار دولار)، قد تتجاوز خسائرها 75 مليار دولار. كما قد تتأثر كندا بنحو 60 مليار دولار، بناءً على صادراتها البالغة 350 مليار دولار إلى الولايات المتحدة. هذه الأرقام تعكس تأثيرًا كبيرًا على الاقتصادات المرتبطة بالولايات المتحدة.

اقتصادات دول الخليج: الوضع الحالي والعلاقات مع الولايات المتحدة

يشهد دول الخليج نمواً إيجابيا ملحوظاً، فقد اشارت التوقعات الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي مع بداية عام 2025 إلى استمرار النمو الاقتصادي، مدفوعًا بالتنويع الاقتصادي والقطاعات غير النفطية. وفقًا لتوقعات المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون، يُتوقع أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة إلى 4.5% في 2025، مقارنة بـ3.7% في 2024، مع استقرار النمو عند 3.5% في 2026. القطاع غير النفطي سيشهد نموًا بنسبة 4.1% في 2025، مدعومًا بقطاعات مثل السياحة، النقل، التخزين، والبيع بالتجزئة، إلى جانب مشاريع البنية التحتية.

تُعد دول الخليج العربي من بين أبرز الاقتصادات النامية في العالم، وتستند إلى قاعدة قوية من الموارد الطبيعية، وعلى رأسها النفط والغاز. هذه الثروات كانت وما زالت تشكل المصدر الأساسي للعائدات الحكومية والنمو الاقتصادي في المنطقة، وهو ما يجعلها في صلب أي تحليل للتغيرات التجارية العالمية، وخاصة تلك القادمة من الولايات المتحدة. رغم أهمية هذا المورد، فإن تقلبات الأسعار في الأسواق العالمية، إلى جانب الضغوط السياسية والاقتصادية، دفعت حكومات الخليج إلى تسريع جهودها لتنويع اقتصاداتها والبحث عن بدائل طويلة الأمد تقلل من هشاشة الاعتماد المفرط على قطاع الطاقة.

في هذا الإطار، أطلقت المملكة العربية السعودية رؤية 2030، وهي خطة استراتيجية طموحة تستهدف تحويل الاقتصاد الوطني من الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، إلى نموذج اقتصادي أكثر تنوعًا واستدامة. تركز هذه الرؤية على تطوير قطاعات غير نفطية كالسياحة، والخدمات المالية، والصناعات التحويلية، والتكنولوجيا. كما شجعت المملكة على جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الشراكات الدولية في مشاريع البنية التحتية، المدن الذكية، والطاقة المتجددة، مع المحافظة في الوقت نفسه على دورها المحوري كأحد أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم (5).

الإمارات العربية المتحدة بدورها تبنت نهجًا متقدمًا في تطوير اقتصادها الرقمي، مع التركيز على قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والتقنيات المالية. تعمل الدولة على ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للتكنولوجيا والابتكار، عبر مبادرات مثل مشروع مركز الطاقة الشمسية والطاقة الكهربائية من مصدر الذي أعلن في يناير 2025، بتكلفة 6 مليار دولار، لتوفير طاقة نظيفة بقدرة 1 جيجاواط، والعملة الرقمية “الدرهم الرقمي”: يخطط البنك المركزي لإطلاق العملة الرقمية في الربع الرابع من 2025 لتحسين الخدمات المالية الرقمية، بالإضافة الي مشروع ستارجيت الذي تم استثمار 500 مليار دولار لتطوير مراكز بيانات AI في الولايات المتحدة، مع استمرار دورها كمركز إقليمي للنقل الجوي والتمويل والاستثمار. ورغم هذا التوسع في القطاعات غير النفطية، يظل النفط والغاز ركيزة أساسية في الصادرات والعلاقات التجارية (5).

من حيث العلاقة مع الولايات المتحدة، شكل النفط حجر الزاوية في التعاون الاقتصادي بين الجانبين لعقود طويلة. فقد كانت أمريكا من أكبر مستوردي النفط الخليجي، بينما تعتمد دول الخليج على التكنولوجيا والمعدات الأمريكية في تطوير البنية التحتية ومشاريع الطاقة. وتشمل هذه العلاقة الاستراتيجية أيضًا تدفقات كبيرة من الاستثمارات الخليجية في السوق الأمريكية، حيث تستثمر صناديق الثروة السيادية في قطاعات حيوية كالعقارات، والتكنولوجيا، والرعاية الصحية. بالمقابل، تمتلك الشركات الأمريكية حضورًا واسعًا في مشاريع النفط والغاز في الخليج، إلى جانب مساهمتها في تطوير الخدمات اللوجستية والبنية التحتية (6).

ومع فرض الإدارة الأمريكية الجديدة في 2025 تعريفات جمركية شاملة، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت هذه السياسات قد تؤثر على ديناميكية العلاقة الاقتصادية بين دول الخليج والولايات المتحدة، حتى لو كانت صادرات النفط معفاة من الرسوم حاليًا. فعلى الرغم من استثناء منتجات الطاقة من التعريفات، إلا أن أي اضطرابات في سلاسل التوريد، أو زيادة في التوترات التجارية العالمية، قد تخلق ضغوطًا على أسعار النفط العالمية، وبالتالي على الإيرادات الخليجية المرتبطة بشكل وثيق بأسواق الطاقة.

علاوة على ذلك، فإن التغيرات في السياسة التجارية الأمريكية قد تؤثر على ثقة المستثمرين الخليجيين في السوق الأمريكي، وكذلك على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية طويلة الأمد. ويظل التحدي الأكبر أمام دول الخليج هو إيجاد توازن بين المحافظة على علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، من جهة، والاستمرار في تنويع مصادر دخلها وتعزيز مرونتها الاقتصادية، من جهة أخرى.

التعريفات الجمركية الأمريكية والتأثيرات المباشرة على دول الخليج

رغم أن الحزمة الجديدة من التعريفات الجمركية الأمريكية التي فرضتها الإدارة الأمريكية في عام 2025 استثنت صراحة منتجات الطاقة مثل النفط الخام والغاز الطبيعي من قائمة السلع الخاضعة للرسوم، إلا أن تأثيراتها على دول الخليج لا تزال قائمة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر (7). إذ تُمثّل صادرات النفط والغاز العمود الفقري للاقتصادات الخليجية، وأي تغيير في البيئة التجارية العالمية قد يُحدث اضطرابًا في ديناميكية السوق، حتى وإن لم تكن صادرات النفط مستهدفة بشكل مباشر.

في الوقت الراهن، لن تواجه صادرات النفط والغاز من دول الخليج إلى الولايات المتحدة أي رسوم إضافية، مما يوفر نوعًا من الاستقرار المؤقت في العلاقات التجارية الثنائية. ومع ذلك، فإن هذا الإعفاء لا يعني أن قطاع الطاقة الخليجي محصّن من التأثيرات. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي التوترات التجارية الناتجة عن هذه التعريفات إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، مما قد يؤدي بدوره إلى انخفاض الطلب العالمي على النفط، وبالتالي تراجع أسعاره في الأسواق الدولية وهو ما ينعكس سلبًا على العائدات الخليجية المعتمدة بشكل كبير على تصدير الطاقة.

أما بالنسبة للقطاعات غير النفطية، مثل الصناعات البتروكيماوية والمنتجات البلاستيكية، فقد أصبحت تواجه تعريفات جمركية بنسبة تصل إلى 10% عند دخولها السوق الأمريكية (8). هذا التغيير يُقوّض القدرة التنافسية لهذه المنتجات، التي تُعد من بين محاولات دول الخليج لتنويع صادراتها وتخفيف الاعتماد على النفط. كما قد تتأثر العقود القائمة مع الشركات الأمريكية، خصوصًا في القطاعات المشتركة مثل الصناعات التحويلية.

من جانب آخر، فإن السلع المستوردة من الولايات المتحدة إلى دول الخليج والتي تشمل التكنولوجيا، والمعدات الصناعية، والمركبات، والمواد الخام قد تشهد ارتفاعًا في أسعارها نتيجة زيادة التكاليف على المصنعين الأمريكيين بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية (9). هذا الارتفاع قد يؤدي إلى ضغط تضخمي محلي في دول الخليج، مما يؤثر على تكاليف الإنتاج للشركات المحلية، وكذلك على القوة الشرائية للمستهلكين.

ومع أن النفط لم يُدرج ضمن قائمة السلع الخاضعة للتعريفات، إلا أن طبيعة ترابط الأسواق وتداخلها تجعل من الصعب عزل قطاع الطاقة عن باقي القطاعات. أي اضطراب في سلاسل التوريد أو تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي سيؤثر في نهاية المطاف على أسعار النفط، وبالتالي على ميزانيات الدول الخليجية التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على العائدات النفطية لتغطية نفقاتها العامة وتمويل مشاريع التنمية.

التعريفات الجمركية الأمريكية والتأثيرات غير المباشرة على دول الخليج

على الرغم من أن التعريفات الجمركية الأمريكية لم تطال النفط مباشرة، إلا أن تأثيراتها غير المباشرة على اقتصادات دول الخليج ستكون محسوسة بشكل كبير. أولًا، قد تؤدي هذه السياسات المتشددة إلى تباطؤ في حركة التجارة العالمية، وهو ما يُحتمل أن يؤدي إلى انخفاض الطلب على النفط والغاز في الأسواق العالمية (10). فعندما تتراجع التجارة بين الدول، يتأثر الطلب على الطاقة بشكل عام، ما ينعكس على إيرادات دول الخليج التي تعتمد على تصدير النفط كمصدر رئيسي للإيرادات الحكومية. هذا التأثير يتجسد بشكل خاص في حال حدوث ركود اقتصادي في الأسواق الكبرى مثل الصين وأوروبا، ما قد يؤدي إلى تراجع كبير في الطلب على النفط.

علاوة على ذلك، من المتوقع أن يتراجع التدفق الاستثماري إلى الخليج بسبب تزايد عدم الاستقرار في الأسواق العالمية. في ظل السياسات الأمريكية المتشددة، قد يشعر المستثمرون الأجانب بالقلق بشأن الأفق الاقتصادي العالمي، مما قد يؤدي إلى تقليص الاستثمارات المباشرة في القطاعات غير النفطية في دول الخليج. وهذا التراجع في الاستثمارات سيكون له تأثير مزدوج: الأول، انخفاض مستوى التنويع الاقتصادي الذي تسعى إليه دول الخليج، والثاني، تراجع قدرة هذه الدول على تمويل المشاريع التنموية الكبرى مثل “رؤية 2030” في السعودية (12).

هذه التأثيرات غير المباشرة تشير إلى أن دول الخليج قد تواجه تحديات اقتصادية إضافية قد تكون أكثر تأثيرًا في المستقبل، ما يستدعي منها اتخاذ خطوات استباقية لضمان استقرار اقتصاداتها في ظل هذه التغيرات العالمية.

دول الخليج ومواجهة تحديات التعريفات الجمركية الأمريكية

في مواجهة التحديات التي تسببت بها التعريفات الجمركية الأمريكية، من المتوقع أن تتخذ دول الخليج عدة خطوات استراتيجية لمواجهة التأثيرات السلبية وضمان استقرار اقتصاداتها. أولًا، من المحتمل أن تعزز دول الخليج علاقاتها التجارية مع دول مثل الصين والهند، وهما من أكبر الأسواق التي يمكن أن تعوّض بعض الخسائر الناتجة عن انخفاض الطلب في السوق الأمريكي. الصين على وجه الخصوص، تُعتبر شريكًا تجاريًا كبيرًا لدول الخليج، حيث تواصل هذه الدول تصدير النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية إلى الصين (13). تعزيز هذه العلاقات يمكن أن يكون له دور كبير في تعويض أي انخفاض في الطلب من الولايات المتحدة.

ثانيًا، تكثف دول الخليج جهودها في مجال التنويع الاقتصادي. منذ فترة طويلة، تدرك هذه الدول أهمية تقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات. وقد ظهرت هذه الجهود بشكل واضح من خلال “رؤية 2030” في السعودية، التي تهدف إلى تطوير القطاعات غير النفطية مثل السياحة، والتكنولوجيا، والطاقة المتجددة.

أخيرًا، من المتوقع أن تسعى دول الخليج إلى الدخول في مفاوضات دبلوماسية مع الولايات المتحدة لضمان استمرار العلاقات التجارية المواتية بين الجانبين. في ظل العلاقات الوثيقة بين الطرفين في مجالات النفط والأمن، ستكون دول الخليج حريصة على الحفاظ على هذه الروابط الاستراتيجية، في الوقت نفسه الذي تبذل فيه جهدًا لتخفيف آثار التعريفات الجمركية الأمريكية على صادراتها. هذه المفاوضات قد تشمل محادثات حول استثناءات خاصة أو تعديل بعض الرسوم الجمركية المفروضة على بعض القطاعات الحيوية بالنسبة للاقتصادات الخليجية (13).

كل هذه الاستراتيجيات تشير إلى أن دول الخليج لن تقف مكتوفة الأيدي أمام التحديات الجديدة، بل ستسعى جاهدة لتوسيع آفاقها التجارية، والحد من الاعتماد على السوق الأمريكي، وتحقيق استقرار اقتصادي طويل المدى.

فرص دول الخليج للااستفادة من التعريفات الجمركية الأمريكية

في محاولة لمواجهة القرارات الامريكية المتشددة قد تبحث الشركات العالمية عن منافذ بديلة لتجاوز تلك التعريفات. هنا تبرز فرصة إعادة التصدير. حيث يمكن لأي من دول الخليج كالإمارات أو السعودية أن تصبح منصة لتجميع وتغليف البضائع القادمة من الدول الخاضعة للتعريفات، ثم إعادة تصديرها إلى السوق الأمريكية باعتبارها منتجات ذات منشأ جديد، وبالتالي تدخل الأسواق الأمريكية برسوم أقل أو دون رسوم. على سبيل المثال، قد تقوم شركة صينية بنقل جزء من عملياتها إلى منطقة مثل جبل علي في الإمارات أو المنطقة الاقتصادية، وتعيد تصدير منتجاتها إلى أمريكا على أنها إماراتية أو سعودية.

هذه البيئة الجديدة تفتح الباب أمام تدفقات من الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI)  إلى الدول غير المتأثرة بالتعريفات الأمريكية. هذا لا يسهم فقط في زيادة الصادرات، بل يؤدي أيضًا إلى نقل التكنولوجيا، وتوفير فرص عمل، وتعزيز القيمة المضافة المحلية. كما سيمكن دول المنطقة من تطوير مناطق صناعية حرة متخصصة بعمليات التجميع والتغليف وإعادة التصدير. التجربة الناجحة لميناء جبل علي في الإمارات تمثل نموذجًا يحتذى به. كما يمكن لمناطق مثل مدينة نيوم في السعودية أن تلعب دورًا مشابهًا في المستقبل القريب. من الوسائل المهمة كذلك أن تعمل هذه الدول على عقد اتفاقيات تجارة حرة أو تحديث الاتفاقيات القائمة مع الولايات المتحدة أو مع دول تربطها بها علاقات تجارية قوية. فهذه الاتفاقيات تتيح دخول البضائع برسوم منخفضة، مما يُعزز من تنافسية الدول المصدرة.

التوقعات المستقبلية للاقتصاد الخليجي تحت تأثير السياسات الأمريكية

في ظل هذه السياسات الأمريكية المتشددة، يواجه الاقتصاد الخليجي تحديات كبيرة، لكن في الوقت ذاته، هناك العديد من الفرص التي قد تُتيحها الظروف المستقبلية. يتوقع الخبراء أن يؤدي الضغط الدولي إلى خلق بيئة مواتية للمفاوضات حول تخفيف التعريفات الجمركية الأمريكية المفروضة على بعض المنتجات. ستحتاج دول الخليج إلى مواصلة جهودها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، لا سيما في المجالات التي تمثل مصالح استراتيجية للطرفين، مثل الطاقة والأمن (14). يمكن أن تسهم هذه المفاوضات في خفض أو تعديل التعريفات الجمركية المفروضة على بعض القطاعات المهمة لدول الخليج، وبالتالي تقليل التأثير السلبي على صادراتها إلى السوق الأمريكي.

إلى جانب ذلك، هناك حاجة ملحة لتعزيز التنويع الاقتصادي والمرونة في مواجهة أي تغيرات غير متوقعة في السوق العالمي. تسعى دول الخليج بشكل مستمر إلى تحقيق استقلال اقتصادي من خلال الاستثمار في القطاعات غير النفطية، وهو ما يساهم في بناء اقتصاديات أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الظروف الاقتصادية العالمية. على سبيل المثال، تشهد السعودية والإمارات نموًا سريعًا في قطاعات مثل السياحة، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، وهي قطاعات يمكن أن تسهم بشكل أكبر في تحقيق استدامة اقتصادية بعيدًا عن الاعتماد الكامل على النفط (14).

في الختام، تظل الآفاق المستقبلية لدول الخليج مشروطة بتعزيز التنويع الاقتصادي، وتوسيع العلاقات التجارية مع أسواق جديدة، بالإضافة إلى استمرار تحسين قدرة المنطقة على التكيف مع التحديات الاقتصادية العالمية. ستتطلب هذه الإجراءات مرونة واستراتيجية طويلة الأمد لضمان استدامة النمو الاقتصادي في المستقبل.

جدول: تأثيرات التعريفات على دول الخليج

القطاع التأثير غير المباشر التأثير المباشر
صادرات النفط والغاز انخفاض الطلب بسبب تباطؤ الاقتصاد معفاة من التعريفات
الواردات من الولايات المتحدة تأثير التضخم العالمي ارتفاع تكاليف السلع
الاستثمارات تراجع التدفقات بسبب عدم الاستقرار الاستثمار في القطاعات غير النفطية

 

يرجى الاطلاع على المزيد من المقالات حول

لخدماتنا المختلفة يرجى الاطلاع على قسم الاستشارات

مراجع المقال

  1. Fact Sheet: President Donald J. Trump Declares National Emergency
  2. Tax Foundation: Trump Tariffs Economic Impact
  3. CNBC: Trump Tariffs Global Reaction
  4. World Economic Forum: Gulf Economic Megatrends
  5. IMF Staff Country Reports: GCC Economic Prospects
  6. Gulf International Forum: Gulf Outlook 2025
  7. White House: Tariff Exemptions for Energy Products
  8. BBC News: Understanding Trump Tariffs
  9. The New York Times: Tariffs Impact on Markets
  10. AP News: Global Reaction to US Tariffs
  11. Reuters: Gulf Markets Reaction to Tariffs
  12. Economic forecasts from international organizations
  13. Major Gulf markets subdued on Trump’s plans for tariffs | Reuters
  14. Gulf International Forum: Gulf Outlook 2025