من العيون إلى العقول: كيف تعيد نماذج الذكاء الاصطناعي تشكيل قواعد الحرب

المواضيع ذات الصلة

منطقة اعلانية

spot_img

في ظل التحولات السريعة التي يشهدها ميدان الصراع المعاصر، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد الأعمدة الأساسية لإعادة تعريف القوة العسكرية والاستراتيجية. لم يعد الاعتماد مقتصرًا على عدد الطائرات أو مدى الصواريخ أو عدد الفرق المدرعة، بل انتقل التركيز إلى “القدرة على الرؤية”، “الفهم الاستباقي”، و “الردّ المؤتمت”. هذه القدرات الثلاث تشكل جوهر التحول نحو ما يسمى بساحة المعركة المعرفية  (Cognitive Battlefield)، حيث تصبح المعلومات والتحليل والقرار أسرع وأدق من أي وقت مضى، وحيث يتم استخدام الذكاء الاصطناعي ليس فقط كمساعد في القرار، بل كمكوّن تنفيذي فاعل في خلية العمليات. هذا المقال يعرض إطارًا مفاهيميًا وتطبيقيًا لهذا التحول، من خلال تسليط الضوء على طبقات منظومة الذكاء الاصطناعي العسكرية، والنماذج الرائدة عالميًا، سواء الصينية أو الأمريكية، مع إبراز دور التقنيات الداعمة مثل YOLO، Detectron2، نماذج اكتشاف التغيير، وتقنية الرادار ذي الفتحة الاصطناعية. (SAR)

الطبقة الاولي: العيون الرقمية

تبدأ منظومة الذكاء الاصطناعي العسكري من “طبقة الرؤية” أو طبقة الاستشعار، وهي المسؤولة عن توفير المعلومات الأولية التي تبنى عليها القرارات. في هذه المرحلة، تعتمد القوات المسلحة على تقنيات تحليل الصور الملتقطة من الأقمار الصناعية، الطائرات بدون طيار، أو كاميرات المراقبة، لاستخلاص معطيات ميدانية.

من أبرز النماذج المستخدمة في هذه المرحلة نموذج (YOLO You Only Look Once )، الذي يتمتع بقدرة عالية على تحليل الصورة الكاملة دفعة واحدة والتعرف على الأجسام فيها في وقت شبه لحظي. يستخدم هذا النموذج في رصد تحركات العدو على الأرض، وتمييز الأهداف ذات الأولوية مثل الدبابات، المدرعات، أو حتى الأفراد المسلحين ضمن مجموعات. إلى جانبه، يأتي مرحلة الكشف/2 (Detectron2)، وهو إطار متقدم من تطوير”ميتا Meta”، يسمح بتحديد ليس فقط موقع الكائن بل شكله الدقيق عبر ما يُعرف بالتجزئة الكائن (Instance Segmentation). هذا النموذج يُستخدم في تمييز التفاصيل المعقدة مثل معدات التمويه، الأنفاق، أو التشكيلات البحرية الدقيقة.

لكن مجرد رصد الأجسام لا يكفي، فالمطلوب هو متابعة التغيرات مع مرور الوقت. وهنا تدخل نماذج اكتشاف التغيير (Change Detection Models) التي تقارن صور الأقمار الصناعية الملتقطة في أوقات مختلفة، وتحدد الفروقات الجوهرية مثل إنشاء بنى تحتية جديدة، نقل بطاريات دفاع جوي، أو ظهور علامات تعبئة قتالية.

أما تقنية الرادار ذي الفتحة الاصطناعية (SAR)، فتعتبر امتدادًا حاسمًا للقدرة البصرية في الظروف الصعبة، إذ تعتمد على الموجات الرادارية بدلاً من الضوء، ما يجعلها فعالة في الليل، أثناء العواصف، أو في البيئات المموهة. تتمكن هذه التقنية من رصد التحركات تحت الغطاء النباتي أو داخل المستودعات المعدنية، وهي مكون استراتيجي رئيسي في أنظمة الاستخبارات الحديثة.

الطبقة الثانية: العقل الالكتروني

بعد جمع هذه البيانات، تنتقل المنظومة إلى “طبقة الفهم” أو التحليل، حيث يُطلب من النماذج التفسير وتقديم رؤية استخباراتية قابلة للتنفيذ. هذه الطبقة تعتمد على ما يُعرف بنماذج اللغة الضخمة (LLMs) وهي نماذج تم تدريبها على مئات المليارات من الكلمات والصور لتوليد محتوى وفهم النصوص والسياقات المعقدة.

تقدم الصين نموذ ERNIE ، الذي طوّرته شركة Baidu ، وهو متميز في تحليل السياقات اللغوية الصينية والبيانات البصرية ضمن بيئة محلية. يتيح هذا النموذج القدرة على توليد تقارير استخباراتية حول الإعلام المحلي، التوجهات المجتمعية، وتحليل الصور التي تم التقاطها من ميادين المواجهة. أما نموذج DeepSeek R1  فهو نموذج مفتوح المصدر يبرز في قدرته على المحاكاة المنطقية، الترميز، والتحليل العددي، وهو ما يجعله مناسبًا لبناء سيناريوهات ميدانية واختبار الفرضيات العسكرية.

من الجانب الأمريكي، يظهر نموذج GPT-4 من OpenAI باعتباره أحد أقوى النماذج في العالم، بفضل قدرته على التعامل مع سياقات طويلة، واستيعاب النصوص والصور في آنٍ واحد، ما يمنحه ميزة في توليد تقديرات استراتيجية مركبة. نموذج Claude من شركة Anthropic يتميز في ضبط السلوك الأخلاقي للذكاء الاصطناعي وضمان امتثاله لمبادئ القانون الدولي الإنساني، مما يجعله خيارًا ملائمًا في بيئات العمليات الحساسة.

أما نموذج Gemini من Google، فيملك قدرة تحليل ضخمة، خصوصًا في سياق معالجة الصور عالية الدقة، كالصور الفضائية أو الخرائط ثلاثية الأبعاد. نموذج LLaMA من Meta صُمم ليكون خفيفًا وسهل التوزيع، ويُستخدم في أجهزة متنقلة أو ميدانية، مثل مساعدين افتراضيين للجنود أو في وحدات متنقلة لجمع وتحليل البيانات.

الطبقة الثالثة: التنفيذ

تنتقل المنظومة في مرحلتها الثالثة إلى “طبقة التنفيذ”، والتي تمثل الجانب العملي الفعلي من دورة الذكاء الاصطناعي. هنا لا تقتصر النماذج على تقديم التحليل، بل تتولى تنفيذ المهام أو تنظيمها بشكل ذاتي. نموذج  “مانوس Manus “، الذي يوصف بأنه وكيل ذكاء اصطناعي (Autonomous Agent)، يمكنه أن يبحث عن المعلومات، يبرمج، يحلل، ثم يقدم حلولًا أو تقارير دون تدخل بشري مباشر. في سياق العمليات العسكرية، يمكن أن يتولى Manus تنسيق تقرير استخباراتي، بناء سيناريو استجابة، أو إطلاق سلسلة من الإجراءات الدفاعية بشكل مؤتمت.

من جهة أخرى، تقدم Palantir AI منصة متكاملة تدمج البيانات المهيكلة وغير المهيكلة، وتعرضها في لوحات تحكم متقدمة تتيح للقادة اتخاذ قرارات تكتيكية أو استراتيجية بسرعة فائقة.Microsoft Azure AI، يوفر بيئة آمنة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي ضمن بنية تحتية تتوافق مع متطلبات البيانات المصنفة (Classified Data Environments)، وتستخدم فعليًا في برامج مشتركة مع وزارة الدفاع الأمريكية. وعلى الرغم من أن روبوت Tesla Optimus لا يزال ضمن المرحلة المدنية، إلا أن قدراته تشير إلى إمكانية استخدامه مستقبلًا في صيانة القواعد، إدارة المخزون، أو حتى تنفيذ مهام دعم خلفي.

تكامل القدرات

التكامل بين هذه الطبقات الثلاث يؤدي إلى ما يسمى بـ”سلسلة الاستشعار إلى القرار”، وهو نموذج تشغيلي متكامل يوضح كيف يمكن لمعلومة بصرية أولية أن تتحول إلى قرار عملياتي خلال دقائق. تخيل هذا السيناريو: يتم التقاط صورة عبر SAR تظهر تغييرات في جزيرة بحرية حساسة. نموذج اكتشاف التغيير يلاحظ تمددًا في مدرج الطائرات. نموذج YOLO يؤكد وجود طائرات مقاتلة حديثة على الأرض. نموذج ERNIE يولّد تقييمًا استخباراتيًا يشير إلى استعداد هجومي. ثم يقوم Manus بتوليد ملخص تنفيذي وخيارات استجابة تُرسل إلى مركز العمليات فورًا. هذا المثال، الذي قد يبدو خيالًا علميًا، أصبح واقعًا قابلاً للتنفيذ بفضل النضج المتسارع في أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية.

الصين VS الولايات المتحدة

من حيث المقارنة الاستراتيجية، تمتلك الصين ميزة في ربط نماذجها مباشرة بالبنية العسكرية الرسمية، مما يمنحها قدرة على نشر النماذج بسرعة وبتنسيق عالي بين المدني والعسكري. أما الولايات المتحدة، فهي تتفوق في التنوع والمرونة التقنية، مع توافر نماذج متقدمة متعددة الاستخدامات وقابلة للنشر في مختلف قطاعات الأمن والدفاع. إلا أن التحدي يكمن في توحيد هذه القدرات ضمن بنية تشغيلية مركزية فعالة.

التحديات الاخلاقية

ومع تقدم القدرات التقنية، تظهر تحديات أخلاقية واستراتيجية معقدة. من أبرزها مسألة المسؤولية: من يتحمل قرار استخدام القوة بناءً على توصية من نموذج ذكاء اصطناعي؟ هل يمكن لهذه النماذج أن تلتزم بالقانون الدولي الإنساني؟ وهل لدينا ما يكفي من الضوابط لمنع حالات التصعيد غير المقصودة؟ ولهذا تسعى الدول المتقدمة إلى تطبيق نماذج “التحكم البشري في الحلقة” (Human-in-the-Loop) وتفعيل تجارب محاكاة مكثفة قبل تشغيل أي نموذج في بيئة ميدانية.

في الختام، لم تعد الحرب تقليدية، بل معرفية. لم تعد القيادة تُبنى فقط على عدد القوات، بل على سرعة تحليل البيانات واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي. نماذج مثل GPT-4، ERNIE، Manus، Palantir، وغيرها، تمثل مستقبلًا حقيقيًا للقيادة العسكرية المدعومة رقميًا. الدول التي تستطيع بناء وتكامل هذه النماذج ضمن منظومة عمليات موحدة، ستكون قادرة ليس فقط على الرد على التهديدات، بل على تشكيل بيئة الصراع لصالحها قبل اندلاعها.

يرجى الاطلاع على المزيد من المقالات حول البحوث العسكرية

لخدماتنا المختلفة يرجى الاطلاع على قسم الاستشارات

مراجع المقال

https://medium.com/analytics-vidhya/yolo-explained-5b6f4564f31

https://ai.meta.com/blog/-detectron2-a-pytorch-based-modular-object-detection-library-/

https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/10095020.2022.2085633

https://www.earthdata.nasa.gov/learn/earth-observation-data-basics/sar

https://www.cnet.com/tech/bot-and-ernie-everything-you-need-to-know-about-chinas-chatgpt-equivalent/

https://builtin.com/artificial-intelligence/deepseek-r1

https://www.techtarget.com/whatis/definition/ChatGPT

https://medium.com/@mikasosnowski/claude-the-future-of-ethical-ai-68785e74eb8b

https://pyimagesearch.com/2024/02/12/image-processing-with-gemini-pro/

https://medium.com/@haveainiceday/manus-drops-autonomous-ai-agent-bomb-bold-claim-or-actual-revolution-let-s-get-real-2704ff0300c2

https://www.palantir.com/platforms/aip/

https://azure.microsoft.com/en-us/resources/cloud-computing-dictionary/what-is-azure

https://www.businessinsider.com/teslas-first-optimus-lead-doubts-about-elon-musks-robot-dream-2025-5

https://cloud.google.com/discover/human-in-the-loop