السيادة، في ظاهرها، مبدأ مقدس في العلاقات الدولية. لكنها في واقع السياسة العالمية، ليست سوى أداة انتقائية؛ تُحترم حين تتماشى مع المصالح، وتُداس عندما تعيقها. في عالم يُدار بمنطق القوة لا العدالة، لا بد من طرح سؤال مؤلم: لماذا يُمنح بعض الشعوب حق تقرير المصير، بينما يُسلب من أخرى؟
من أرخبيل شاغوس في المحيط الهندي إلى قطاع غزة على شواطئ المتوسط، تتكرر القصة ذاتها: شعبٌ يُحرم من حقه في السيادة، لأن وجوده يتعارض مع أجندات القوى الكبرى.
دييغو غارسيا…الجغرافيا كقدر… حين يكون موقعك لعنة
تقع جزيرة دييغو غارسيا، في المحيط الهندي، على بُعد حوالي 1,796كيلومترًا جنوب غرب الهند و3,535 كيلومترًا شرق تنزانيا، مما يجعلها قريبة من المركز الجغرافي للمحيط الهندي. تُعد دييغو غارسيا أكبر جزر أرخبيل شاغوس حيث تبلغ مساحتها حوالي 44 كيلومترًا مربعًا، وهي جزء من إقليم المحيط الهندي البريطاني.
تتمتع الجزيرة بأهمية استراتيجية كبيرة نظرًا لموقعها المركزي في المحيط الهندي، مما يسمح بالتحكم والإشراف على طرق الشحن الحيوية التي تربط بين آسيا، أفريقيا، والشرق الأوسط. تستضيف دييغو غارسيا قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية تُستخدم لدعم العمليات العسكرية في مناطق متعددة، بما في ذلك الشرق الأوسط وأفريقيا. هذا الموقع يمكّن الولايات المتحدة وحلفاءها من تعزيز وجودهم العسكري ومراقبة الأنشطة البحرية في المنطقة.
في عام 1793، أنشأ الفرنسيون مستعمرة على الجزيرة، وأقاموا مزارع لجوز الهند باستخدام العمالة المستعبدة. بعد الحروب النابليونية، انتقلت الجزيرة إلى السيطرة البريطانية بموجب معاهدة باريس عام 1814، وأُديرت من قبل موريشيوس حتى عام 1965. (1) في 3 أكتوبر 2024، أعلنت المملكة المتحدة نيتها تسليم السيادة على جزر شاغوس إلى موريشيوس، مع الاحتفاظ بقاعدة دييغو غارسيا بموجب عقد إيجار لمدة 99 عامًا. مقابل 90 مليون جنيه إسترليني سنويًا. هذا الاتفاق يسمح لموريشيوس ببدء إعادة توطين السكان السابقين في الجزر الأخرى من الأرخبيل، مع استثناء دييغو غارسيا نظرًا للطبيعة الحساسة للقاعدة العسكرية.(2)
غزة: حيث تُختزل الكرامة الوطنية في صراع دائم
أما في غزة، فالقصة مختلفة في التفاصيل، لكنها متطابقة في الجوهر.
الموقع الجغرافي وأهميته الاستراتيجية:
يقع قطاع غزة على الساحل الجنوبي الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ويُعد من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم. يحده من الشمال والشرق حدود الاحتلال الإسرائيلي (فلسطين المحتلة)، ومن الجنوب الغربي مصر، بينما يمتد غربها على شاطئ البحر المتوسط بطول 40 كيلومترًا. رغم صغر حجمها، والذي يصل إلى نحو 365 كيلومترًا مربعًا فقط، فإن غزة تمثل صلة وصل جغرافية بين آسيا وأفريقيا، وتتحكم بموقع استراتيجي على شرق المتوسط، ما يمنحها أهمية سياسية وأمنية كبرى. لكن بدلاً من أن يكون هذا الموقع مصدر قوة، أصبح مبررًا للحصار والقصف والتجويع، تحت ذرائع أمنية لا تعترف بأبسط حقوق سكان القطاع، وفي مقدمتها حقهم في الحياة والحرية والتنقل.(3)
السيادة… حين تصبح عبئًا
في الحالتين، غزة ودييغو غارسيا، الشعب هو الغائب الأكبر عن النقاش. بريطانيا سلّمت جزر شاغوس إلى موريشيوس، دون أي اعتبار لرأي سكانها المهجّرين. الناشطة الشاغوسية روزي ليفيك لخّصت المأساة قائلة:
“الدولتان نفسهما اللتان عاملتا عائلتي كحمولة مطلوب شحنها وترحيلها عن موطنها، تتفاوضان الآن بشأن مستقبل مجتمعنا من دون إشراكنا.”(4)
في غزة، يتكرر المشهد بصيغة أكثر مأساوية. في خطة دونالد ترامب للسلام، يُقترح تحويل غزة إلى مشروع تنموي أو سياحي بعد إعادة توطين الفلسطينيين في مكان آخر، وكأنها أرض فارغة تنتظر الاستثمار. سياسيون إسرائيليون متشددون يروّجون لفكرة أن الفلسطينيين “لا شعب لهم” وأن القومية الفلسطينية محض اختراع. وبالنسبة لترامب، فإن علاقة الفلسطينيين بغزة هي علاقة تبادلية (مصلحية). غزة ليست “وطنًا” لأولئك الذين يعيشون فيها، كما أن فلسطين ليست وطنًا للفلسطينيين.(5)
الاستعمار لم ينتهِ… بل غيّر لغته…المنطق واحد، وإن اختلفت الأدوات
في دييغو غارسيا، الاستعمار طرد السكان من أجل قاعدة عسكرية وفي غزة، الاحتلال يطرد السكان من أجل”أمن قومي”وديموغرافيا”متوازنة. في الحالتين، الهوية الوطنية تُمحى، والحق في الأرض يُلغى، والسيادة تصبح ترفًا لا يُمنح إلا للحلفاء الأقوياء. في الحالتين، الناس يتحولون إلى أرقام أو مشاكل، لا بشرًا لهم جذور، وحقوق، وأحلام.
الوجه الجديد للاستعمار: ما بعد السياسة
الاستعمار الجديد لا يُعلن عن نفسه. لا يسمي ما يفعله “احتلالًا”، بل “تعاونًا أمنيًا”. لا ينفي وجود الشعوب بشكل مباشر، بل يتجاهله بذكاء في المعاهدات والمفاوضات. يعقد الصفقات من فوق رؤوس الناس، ثم يسوقها كـ “حلول عقلانية”. هذا هو منطق “ما بعد السياسة”: تهميش الشعوب، وتقديم الجغرافيا على الإنسان، والمصالح على العدالة.
الشعوب لا تُمحى
لكن ما لا يفهمه هذا المنطق أن الشعوب لا تُمحى بسهولة. قد تُنفى، وقد تُحاصر، وقد تُصوَّر كعقبة أمام “السلام” أو “الأمن”، لكنها تعود. تعود بالذاكرة، بالهوية، بالمقاومة، وباللغة. من دييغو غارسيا إلى غزة، هناك خيط مقاومة واحد: رفض الاختفاء، رفض التحول إلى مشكلة، أو أن تصبح شحنة، أو رقم في تقارير الأمن. إصرار على الوجود… رغم كل أدوات المحو.
- في دييغو غارسيا، أُفرغت الجزيرة من أهلها لبناء قاعدة عسكرية باسم “الدفاع”.
- في غزة، تُهدّ أراضي ويُهجر ناس باسم “الأمن”.
- الهوية تُختزل إلى مشكلة ديموغرافية يجب “حلّها”. تُمحى لتُفتح الطريق أمام مشاريع أكبر لا مكان فيها لأصحاب الأرض.
من الإنكار إلى الإقصاء
إنكار شرعية تطلعات الفلسطينيين كشعب يجعل من “إعادة توطينهم” – أي التطهير العرقي – أمرًا مقبولًا، وكذلك تدمير غزة من الأساس تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”. وكما زعمت رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير قبل نحو نصف قرن: بما أن الفلسطينيين “لم يكونوا موجودين” كشعب، فلا يمكن القول إننا “جئنا وطردناهم وأخذنا بلدهم”.
يبدأ التطهير العرقي دائمًا بإنكار شرعية وجودك. هذا ما عاشه الشاغوسيون حين مُنعوا حتى من امتلاك بيوتهم ليُقال إنهم “ليسوا سكانًا. جُلب الشاغوسيون إلى الجزر عبيدًا وعمالاً بعقود إذعان، وأجبروا بعد تحريرهم على العمل في المزارع تحت نظام “إقطاعي”، بحسب وصف مذكرة وزارة الخارجية، ومُنعوا من امتلاك أي ممتلكات (مما سمح لبريطانيا بالحفاظ على الوهم بأنهم ليسوا مقيمين دائمين)، وتم ترحيلهم قسرًا إلى الفقر، وهم يُسلَّمون الآن إلى موريشيوس، الدولة التي واجهوا فيها التمييز وسوء المعاملة، وهذا ما يعانيه الفلسطينيون اليوم، حين يُقال إن غزة ليست وطنهم، ولا فلسطين أرضهم كما صرح بذلك المرشح الجمهوري نيوت جنجريتش. (6)
وكما صرح قبله، في 4 فبراير 2025، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطة مثيرة للجدل تتضمن سيطرة الولايات المتحدة على قطاع غزة وإعادة تطويره ليصبح “ريفييرا الشرق الأوسط”. تشمل الخطة نقل سكان غزة البالغ عددهم حوالي 2.3 مليون نسمة إلى دول مجاورة مثل مصر والأردن، حيث أشار ترامب إلى أن الفلسطينيين “سيعيشون بأمان في مكان آخر”
قوبلت هذه الخطة برفض واسع من الدول العربية والمجتمع الدولي. أعربت مصر والأردن عن رفضهما القاطع لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين من غزة، وأكدتا على ضرورة إعادة إعمار القطاع دون تهجير سكانه.
الهدف ليس فقط إخراج الناس من الأرض، بل إخراج الأرض من الذاكرة، وتحويل المعاناة إلى هامش في تقارير المصالح الجيوسياسية.
السيادة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالناس
من شاغوس إلى غزة، القاسم المشترك هو تقويض مفهوم السيادة الحقيقية: تلك التي تُبنى على إرادة الشعوب، لا على اتفاقيات بلا وجوه. تقرير المصير لا يعني فقط علمًا يُرفع أو حدودًا تُرسَم، بل يعني الاعتراف الكامل بإنسانية الشعوب، وهوياتهم، وتاريخهم. في النهاية، السيادة ليست امتيازًا تمنحه القوى الكبرى، بل حقّ لا يُنتزع من الشعوب مهما طال الإنكار. وضع تحليل لمستقبل المنطقة واحتمالية تأثير إحساس الشعوب العربية والإسلامية بالقهر من ترحيل أهل غزة في تشكيل جماعات انتقامية على أيديلوجية دينية أو قومية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وضد الدول التي وافقت استقبال أهل غزة المهجرين.
تحليل لمستقبل المنطقة: من الإقصاء إلى ردود الفعل الراديكالية
إن إحساس الشعوب العربية والإسلامية بـ”الخذلان” و”الظلم المركّب” نتيجة مشاهد التهجير القسري لسكان غزة، كما يُطرح في ملف المقارنة بين غزة وجزر شاغوس، قد يشكّل عاملًا محفزًا لبروز موجات جديدة من الراديكالية الأيديولوجية، سواء ذات صبغة دينية جهادية أو قومية مقاومة. إن محو الهوية والسيادة، وتهميش الوجود الفلسطيني، يجري تحت مسمى “حلول أمنية” و”مشاريع تنموية”، وهو ما قد يُنظر إليه في الشارع العربي والإسلامي كوجه جديد للاستعمار الحديث، لا يقل قسوة عن الاحتلال التقليدي. ويُعزز هذا الشعور عندما يتم تصوير الفلسطينيين كعائق أمام “السلام”، وتجريدهم من شرعية وجودهم الوطني والإنساني.
مثل هذا التصور قد يؤدي إلى توليد بيئات نفسية خصبة للتجنيد من قبل جماعات تنتصر للمظلومية الفلسطينية، خاصة إذا ارتبط التهجير القسري بقبول دول عربية باستقبال المهجرين، ما يُفسَّر شعبيًا على أنه تواطؤ مع المشروع الغربي الصهيوني لتصفية القضية. كما أن وصف خطة ترامب بأنها تهدف إلى تحويل غزة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط” بعد تفريغها من سكانها، يُعزز القناعة بأن الهدف ليس فقط السيطرة الجغرافية، بل محو الذاكرة الجماعية الفلسطينية وتعزيز سياسة الاستيطان، وهو ما قد يدفع بقطاعات من الشباب الغاضب إلى التطرف كوسيلة وحيدة للرد.
الاحتمالات الواقعية لتشكّل جماعات راديكالية انتقامية
من واقع تجارب تاريخية مشابهة سواء في العراق بعد الغزو الأمريكي، أو في سوريا بعد سنوات الحرب، فإن حالات الإقصاء الجماعي والتدمير الممنهج للسرديات الوطنية تفرز بالضرورة حركات مقاومة لا مركزية، ذات طابع عنيف وغير تقليدي. وفي حالة غزة، فإن طرد ما يزيد عن مليوني إنسان سيُنظر إليه كجريمة تطهير عرقي، خاصة إذا دعمته قوى دولية كبرى مثل الولايات المتحدة، أو سكتت عنه الأمم المتحدة. في مثل هذا السياق، من المتوقع أن تنشأ:
- حركات جهادية عابرة للحدود، تستلهم من الظلم سردية دينية للتعبئة، وتستهدف المصالح الغربية والإسرائيلية.
- خلايا قومية عربية أو فلسطينية مستقلة، تعمل خارج الإطار السياسي التقليدي، وتتبنى الانتقام الموجّه نحو من تعتبرهم مشاركين في تهجير الفلسطينيين.
- ردود فعل داخل الدول المستقبِلة للاجئين، حيث قد تندلع احتجاجات أو أعمال عنف ضد حكومات يُنظر إليها على أنها “أدوات تمرير لمشاريع الإخراج الجماعي”.
الجذور التاريخية لتشكل الحركات الراديكالية التحررية: من التهجير والاحتلال إلى المقاومة المسلحة
الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) – إيرلندا: شهد التاريخ الحديث والقديم ظهور العديد من الحركات الراديكالية ذات الطابع التحرري كرد فعل مباشر على التهجير القسري، الاحتلال، أو الشعور العميق بالظلم والاستهداف. من أبرز هذه الأمثلة هو الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) الذي نشأ في سياق الاحتلال البريطاني لإيرلندا الشمالية، حيث عانى السكان الكاثوليك من التهميش والتمييز لسنوات. وبسبب فشل الحلول السياسية، تبنّى الجيش الجمهوري الكفاح المسلح كأسلوب مقاومة، مستخدمًا العمليات المسلحة، والاغتيالات، والانفجارات في المدن البريطانية في محاولة لإجبار المملكة المتحدة على إنهاء احتلالها. وقد لعب العامل القومي والديني دورًا بارزًا في تشكيل الخطاب الثوري للحركة(7).
منظمة التحرير الفلسطينية وحركات المقاومة: في السياق العربي، تُعد منظمة التحرير الفلسطينية نموذجًا مهمًا لحركة نشأت من رحم التهجير والخذلان العربي والدولي بعد نكبة 1948. جاءت المنظمة كمظلة للمقاومة الفلسطينية، لتظهر منها لاحقًا فصائل راديكالية مثل فتح والجبهة الشعبية، التي تبنت خطابًا تحرريًا قائمًا على الكفاح المسلح وتحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي. هذا النمط من المقاومة أصبح أكثر راديكالية بعد نكسة 1967، ومع تصاعد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، ما جعل العديد من الفلسطينيين يرون في العمل المسلح الوسيلة الوحيدة لاستعادة الحقوق الوطنية المسلوبة(8).
جبهة التحرير الوطني الجزائرية: من جانب آخر، تُمثّل جبهة التحرير الوطني الجزائرية واحدة من أبرز حركات التحرر الراديكالية في العالم، والتي نشأت تحت وطأة الاحتلال الفرنسي الذي استمر لأكثر من 130 عامًا. حاولت فرنسا طمس الهوية الجزائرية ثقافيًا ودينيًا، مما أثار رد فعل شعبيًا عنيفًا تمثل في اندلاع ثورة مسلحة بقيادة الجبهة عام 1954. ارتكزت الجبهة في خطابها على المزج بين القومية العربية والإسلامية، واستمرت في نضالها حتى تحقق الاستقلال في 1962 بعد واحدة من أكثر الحروب الاستعمارية دموية في التاريخ الحديث.(9)
طالبان وتعزيز الإيديولوجية لتحرير أفغانستان: وفي سياق أكثر حداثة، برزت حركة طالبان في أفغانستان بعد انهيار النظام عقب الغزو السوفيتي، لتتحول في التسعينيات إلى قوة متماسكة ذات خطاب ديني متشدد. ومع الغزو الأمريكي عام 2001، تحوّلت طالبان إلى حركة مقاومة راديكالية ضد الاحتلال الأجنبي، معتمدة على خطاب ديني شعبوي، وعمليات الكرّ والفرّ، وتجنيد المقاتلين من المناطق المهمشة. المثال هنا يُظهر كيف يمكن لحركة دينية أن تنشأ من فراغ الدولة وتحوّل الاحتلال إلى مبرر شرعي لمواصلة النضال العنيف(10).
حزب الله في لبنان: أما في الشرق الأوسط، فإن حزب الله اللبناني يُعد مثالًا معاصرًا لحركة راديكالية نشأت في سياق الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني عام 1982، وغياب الدولة القوية القادرة على ردع الاحتلال. تأسس الحزب بدعم من إيران، وارتكز خطابه على المظلومية الشيعية والدفاع عن الأرض، لينمو لاحقًا كقوة عسكرية وسياسية تتجاوز حدود الجنوب اللبناني، ويُصبح فاعلًا إقليميًا. اعتمد الحزب على أيديولوجية دينية متماسكة تعبّر عن الهوية والمقاومة، ونجح في خلق بيئة اجتماعية موالية، ما ساعده على البقاء طويلًا كمشروع مقاومة مستمر.
حركة الماوماو في كينيا: أخيرًا، حركة الماوماو في كينيا تُجسد كيف يمكن أن تؤدي سياسات التهجير والاستغلال الاستعماري إلى نشوء مقاومة راديكالية في الأوساط القبلية والريفية. واجهت الحركة الاحتلال البريطاني في خمسينيات القرن الماضي من خلال العصيان المسلح والهجمات على رموز السلطة الاستعمارية. ورغم قمعها بشدة، إلا أنها مهدت الطريق لنيل كينيا استقلالها لاحقًا، ما يوضح أن الحركات الراديكالية تنبع أحيانًا من الشعور باللاعدالة العرقية والاقتصادية بقدر ما تنبع من الاحتلال المباشر.(11)
هذه الأمثلة التاريخية تؤكد أن التهجير القسري أو الاستعمار أو الإقصاء السياسي لا تُقابل بالصمت الدائم، بل غالبًا ما تكون سببًا في ظهور حركات تحررية تتخذ شكلًا راديكاليًا، سواء في الخطاب أو في الوسائل. وإذا ما تم تهجير سكان غزة قسرًا في ظل تخاذل دولي، فإن التاريخ ينبئ بإمكانية تكرار هذا النمط من ردود الفعل، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع شعور جمعي بالخيانة والتواطؤ العربي والدولي.
إن تهجير سكان غزة لن يكون مجرد قضية لجوء عابر، بل سيُؤسس لحقبة من التوتر العقائدي والسياسي طويل الأمد في المنطقة، قد يعيد تشكيل بُنى المقاومة ويحولها من مقاومة محلية إلى حركات انتقامية رايكالية عابرة للحدود. وبقدر ما تسعى الأطراف الفاعلة إلى “هندسة واقع سياسي جديد”، فإن التاريخ أثبت أن تغييب الشعوب لا يُنتج أمنًا، بل يُطلق العنان لقوى الرفض بأشكالها الأكثر تطرفًا. وبالتالي، فإن تجاهل الكرامة الوطنية الفلسطينية تحت ذرائع الأمن، قد يُنتج جيلًا جديدًا من الغضب المؤدلج عربياً وإسلاميا، ومن الممكن أن يكون عالمياً مثلما كانت حركة اليسار في الستينات والسبعينات يصعب احتواؤه ضمن القنوات الدبلوماسية التقليدية.
يرجى الاطلاع على المزيد من المقالات حول العلوم السياسية
لخدماتنا المختلفة يرجى الاطلاع على قسم الاستشارات
مراجع المقال
- مقال ” ملف معلومات دييغو غارسيا”. رابط المقال: https://apa-inter.com
- مقال. بريطانيا تعترف بسيادة موريشس على جزر شاغوس”. رابط المقال: https://www.france24.com
- أين تقع غزة : https://blog.ajsrp.com
- مقال. العالم والنظرة الانتقائية للسيادة. بقلم كنان مالك. رابط المقال: https://www.theguardian.com
- مقال “ترمب يقوم أن الفلسطنينين لن يسمح لهم بالعودة إلى غزة”. رابط المقال: https://www.nbcnews.com
- مقال.جنجريتش يصف الفلسطينينين بأنهم شعب ” مخترع”. الرابط: https://www.cbsnews.com
- “الجيش الجمهوري الإيرلندي”. موقع بريتانيكا. britannica.com/topic/Irish-Republican-Army
- أسعد عبدالرحمن، مقال “منظمة التحرير الفلسطينية وشرعية التمثيل الوطني”. مؤسسة الدراسات الفلسطينية. palestine-studies.org/ar/node/1635827
- إبراهيم لونيسي، مقال ” ظهور جبهة التحرير الوطني وتطوراتها إلى غاية 1956″. المجلة العلمية الجزائرية. asjp.cerist.dz/en/article/14545
- ليندساي مايزلاند، دراسة “طالبان في أفغانستان”. مركز العلاقات الخارجية. cfr.org/backgrounder/taliban-afghanistan
- حسن العدم، دراسة ” انتفاضة “ماو ماو”.. تضحيات الجماعة التي أخرجت الإنجليز أذلّاء من كينيا”. الجزيرة الوثائقية. aljazeera.net/history/2024/3/5/انتفاضة-ماو-ماو-تضحيات-الجماعة-التي

