دييغو غارسيا: مفترق استراتيجي في قلب المحيط الهندي
تقع جزيرة دييغو غارسيا في أرخبيل شاغوس، وسط المحيط الهندي، وتُعد من أبرز المواقع الجيوسياسية والعسكرية على مستوى العالم. بتكوينها الطبيعي الفريد وموقعها المعزول، تشكل الجزيرة نقطة ارتكاز حيوية في شبكة القواعد العسكرية الغربية، وتُعرف في الأوساط العسكرية بلقب “بصمة الحرية” (Footprint of Freedom).
الأهمية الاستراتيجية لجزيرة دييغو غارسيا
تنبع أهمية دييغو غارسيا من موقعها الجغرافي الذي يُوفر للولايات المتحدة قدرة على تنفيذ عمليات عسكرية في مناطق واسعة تشمل الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أفريقيا. هذا الموقع يُمكّن القوات الأمريكية من شن هجمات طويلة المدى، بما في ذلك استهداف المنشآت النووية الإيرانية، دون الحاجة للاعتماد على قواعد جوية في دول المنطقة التي قد تكون قيودها السياسية والأمنية عائقًا أمام التحرك العسكري السريع.
ووفقًا لموقع “Middle East Eye”، فإن دييغو غارسيا تُعد أحد أهم المصادر الاستراتيجية للولايات المتحدة في ما يُعرف بـ”قوس النفوذ” الممتد من المحيط الهادئ إلى الخليج العربي، وهي جاهزة دائماً لتقديم الدعم اللوجستي والعملياتي في حال اندلاع نزاع مسلح في المنطقة.
كما أن موقعها الجغرافي يتوسط خطوط الملاحة البحرية العالمية ويربط بين قارات آسيا، أفريقيا، والشرق الأوسط، مما يمكن استخدامها كموقع متقدم لمراقبة وتأمين طرق التجارة البحرية، بما فيها خطوط إمداد الطاقة، وهي ميزة تجعلها محط اهتمام خاص في ظل التصاعد المستمر للتوترات في المحيطين الهندي والهادي.
الأهمية العسكرية للولايات المتحدة
بالإضافة إلى السيادة البريطانية الرسمية، تُسيطر الولايات المتحدة على دييغو غارسيا تشغيلًا بموجب اتفاقية تأجير طويلة الأمد موقعة عام 1966. وتحتضن الجزيرة واحدة من أهم القواعد العسكرية الأمريكية خارج أراضيها، حيث بدأت عمليات البناء عام 1971 لتتحول إلى قاعدة جوية وبحرية متكاملة.
تلعب القاعدة دورًا محوريًا في دعم العمليات العسكرية الأمريكية في مناطق النزاع مثل الشرق الأوسط، أفريقيا، وجنوب آسيا. وقد كانت نقطة انطلاق رئيسية لحملات عسكرية كبرى، منها حرب الخليج، التدخل في أفغانستان، وغزو العراق. وتوفر القاعدة قدرة على انفتاح سريع للقوات، وتنفيذ ضربات جوية طويلة المدى، فضلاً عن تقديم الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
الأهمية الدفاعية للمملكة المتحدة
ورغم أن الوجود البريطاني محدود مقارنة بالحضور الأمريكي، إلا أن المملكة المتحدة تعتبر دييغو غارسيا جزءًا من استراتيجيتها الدفاعية المشتركة مع واشنطن، وتحرص على الإبقاء على السيادة الرمزية والإدارية ضمن “إقليم المحيط الهندي البريطاني”. وتشرف بريطانيا على تطبيق القوانين المحلية من خلال مندوب خاص، مما يضمن لها حضورًا سياديًا رغم التحكم العملي الأمريكي.(1)
إمكانية استخدام الولايات المتحدة لجزيرة دييغو غارسيا في مهاجمة إيران: الأبعاد العسكرية والاستراتيجية
تُعد جزيرة دييغو غارسيا، الواقعة في قلب المحيط الهندي، واحدة من أبرز القواعد العسكرية الأمريكية خارج أراضيها، وتكتسب أهمية متجددة في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. ومع التطورات الأخيرة في المنطقة، تزايدت المؤشرات التي تُشير إلى احتمال استخدام هذه القاعدة كنقطة انطلاق لهجوم أمريكي محتمل على إيران.
ففي ضوء التصعيد القائم بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز دييغو غارسيا كموقع محوري في الحسابات العسكرية الأمريكية. فوجود البنية التحتية المتقدمة، والبعد الجغرافي الذي يضمن قدرًا من الحماية، والقدرة على تنفيذ ضربات استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من هذه القاعدة عنصرًا فعالًا في أي سيناريو محتمل لمواجهة عسكرية مع إيران. ومع استمرار التوترات، تظل دييغو غارسيا رمزًا لتوازن القوة المتغير في منطقة تُعد من أكثر المناطق حساسية على الساحة الدولية.
الانتشار العسكري الأمريكي في دييغو غارسيا
في خطوة اعتُبرت بمثابة استعراض للقوة ورسالة ردع موجهة إلى طهران، قامت الولايات المتحدة مؤخرًا بنقل قاذفات الشبح الاستراتيجية من طراز B-2 Spirit إلى قاعدة دييغو غارسيا العسكرية. وتُعد هذه القاذفات من بين أكثر الأسلحة تطورًا في الترسانة الأمريكية، لما تتميز به من قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى دون رصدها بسهولة من قبل أنظمة الدفاع الجوي التقليدية.
هذه التحركات العسكرية، وفقًا لتقارير متخصصة، تعكس استعدادات محتملة لتوجيه ضربات ضد منشآت إيرانية، لا سيما في حال فشل الجهود الدبلوماسية أو اندلاع نزاع مسلح مباشر بين الطرفين .(2)
رسائل ردع قوية موجهة إلى إيران
أرسل البنتاغون ست قاذفات شبح من طراز B-2 Spirit – أي ما يعادل 30% من أسطول القاذفات الشبحية الأمريكية إلى قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، على بُعد 3900 كلم من السواحل الجنوبية لإيران.
وأظهرت صور أقمار صناعية التقطتها شركة Planet Labs وجود ست قاذفـــات B-2 على مدرج القاعدة، إلى جانب طائرات تموين وشحن، في حين ظهرت في صور أخرى قبل يومين أربع قاذفات B-2 وست طائرات دعم.
أهداف الانتشار العسكري
بحسب المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، فإن إرسال هذه الطائرات يأتي ضمن جهود لتعزيز الوضع الدفاعي الأمريكي في المنطقة، في ظل استمرار الضربات الأمريكية ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وتحذيرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسث من خطوات تصعيدية قادمة ضد إيران وحلفائها.
وقد هدّد ترامب علنًا عبر منصته “Truth Social” قائلاً: “توقفوا عن إطلاق النار على السفن الأمريكية، وسنتوقف عن مهاجمتكم. وإلا، فإننا لم نبدأ بعد، والألم الحقيقي قادم، للحوثيين ورعاتهم في إيران”. كما أمهل إيران شهرين للتفاوض بشأن اتفاق نووي جديد، بديل عن الاتفاق الذي انسحب منه في ولايته الأولى، وإلا ستواجه “عواقب كارثية”.
أهمية القاذفات B-2
أوضح الخبير العسكري لدى CNN، سيدريك لايتون، أن هذه القاذفات الباهظة الثمن تكلفة الواحدة 2 مليار دولار. القاذفة قادرة على حمل قنبلة خارقة من طراز Massive Ordnance Penetrator بوزن 30,000 رطل، المصممة لتدمير منشآت مدفونة أو محصنة بشدة، كمنشآت إيران النووية. وأضاف محلل الطيران العسكري بيتر لايتون أن وجود 6 طائرات B-2 يعادل تقريبًا كامل الأسطول القابل للنشر، إذ تُبقي القوات الجوية طائرات أخرى للتدريب أو في حالة صيانة.(3)
رسائل متعددة تتجاوز إيران
على الرغم من أن الهدف الأساسي من هذا الانتشار يبدو توجيه رسالة لإيران، فإن مراقبين يعتقدون أن وجود هذه القاذفات على جزيرة دييغو غارسيا سيراقب عن كثب من قبل روسيا والصين، حليفتي إيران. وفي موازاة ذلك، أمر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسث (Pete Hegseth)،بإرسال أسراب إضافية من الطائرات إلى المنطقة، كما قررت وزارة الدفاع تمديد مهمة حاملة الطائرات USS Harry S. Truman في المنطقة، والتي تقوم بمهام قتالية ضد الحوثيين، بينما تستعد حاملة الطائرات USS Carl Vinson للانتقال إلى الشرق الأوسط بعد انتهاء مهامها في آسيا-الباسيفيك.
الرد الإيراني المحتمل
في المقابل، لم تقف إيران مكتوفة الأيدي أمام هذه التطورات. فقد أفادت تقارير إعلامية بأن قيادات في الحرس الثوري الإيراني ناقشت إمكانية توجيه ضربة استباقية إلى القاعدة الأمريكية في دييغو غارسيا، خاصةً باستهداف القاذفات الأمريكية المتمركزة هناك. ويُفهم من ذلك أن إيران تُدرك الأهمية الاستراتيجية لهذه القاعدة ودورها الحاسم في أي مواجهة عسكرية محتملة. (4)
إمكانية استهداف جزيرة دييغو غارسيا من قبل إيران في حال اندلاع نزاع مع الولايات المتحدة أو إسرائيل
أوردت قناة برس تي في الإيرانية، المعروفة بانتمائها للتيار المتشدد داخل النظام السياسي الإيراني، أن القاعدة العسكرية المشتركة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة في جزيرة دييغو غارسيا مدرجة ضمن قائمة القواعد الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط التي ستكون “ضمن مرمى نيران إيران” في حال شنت الولايات المتحدة أو إسرائيل هجمات ضد إيران.
يشير التقرير إلى أن هناك نوعًا من التفاوض الجاري حاليًا بين إيران والولايات المتحدة، حيث تعمل طهران على صياغة ردّ على رسالة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نُقلت إليها عبر وسطاء.
وتضم القائمة الإيرانية لأهداف الضربات الانتقامية المحتملة عددًا من القواعد العسكرية الأمريكية المهمة في المنطقة، من بينها:
- منشأة الدعم البحري في البحرين،
- منشأة الرادار في ديمونا بإسرائيل،
- قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن،
- معسكر عريفجان في الكويت،
- قاعدة عين الأسد الجوية في العراق.
وقد أرفق التقرير صورًا ملتقطة عبر الأقمار الصناعية لكل من هذه المنشآت.
يشير التقرير أيضًا إلى أن منشآت قاعدة دييغو غارسيا، بما في ذلك الأرصفة البحرية العميقة، ومناطق الرسو، ومرافق الميناء التابعة لـ”معسكر ثاندر”، بالإضافة إلى تمركز قاذفات من طراز B-1 Lancer و B-2 Spirit وB-52 Stratofortress، ستكون أهدافًا محتملة للضربات الإيرانية.
ويؤكد التقرير أن دييغو غارسيا تقع ضمن مدى الصواريخ الإيرانية من طراز خرمشهر، والطائرات المسيّرة الانتحارية من طراز شاهد136 –B، وكذلك في مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يمكن إطلاقها من السفن الحربية الإيرانية مثل حاملة الطائرات المسيّرة شهيد مهدوي (C110-3) وشهيد باقر(C1104).(5)
اطلع ايضا على: من مأساة دييغو غارسيا إلى غزة: احتمالية ظهور الحركات الراديكالية الانتقامية العابرة للحدود
يرجى الاطلاع على المزيد من المقالات حول البحوث الاستراتيجية
لخدماتنا المختلفة يرجى الاطلاع على قسم الاستشارات
مراجع المقال
- دكتور بيك ستارتنغ “التأثير الاستراتيجي للنزاع حول دييغو غارسيا “. رابط المقال: https://maritime-executive.com
- مقال بقلم براندون ويكرت. ” هل تستعد أمريكا لمهاجمة إيران” رابط المقال: https://nationalinterest.org
- مقال . إيران تخطط لضرب القاذفات الأمريكية في دييغو غارسيا. الرابط: https://www.theweek.in/news
- مقال. “إيران تضع دييغو غارسيا في قائمة أهدافها”. رابط المقال: Iran Puts Diego Garcia on its Target Deck
- https://maritime-executive.com دكتور بيك ستارتنغ “التأثير الاستراتيجي للنزاع حول دييغو غارسيا “.

