في المقال السابق، استعرضنا استخدام المروحيات في العمليات العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى حرب فيتنام. في هذا المقال، سنواصل استكشاف دور المروحيات في الحروب العربية، بدءًا من عام 1948 مرورًا بحروب الخليج وحتى حرب العراق. (1)
المقال السابق: المراحل التاريخية لاستخدام المروحيات في الحروب-الجزء الأول
المروحيات و حرب 1948 (النكبة)
في عام 1948، اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عقب إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 مايو 1948. كانت هذه الحرب نتيجة مباشرة لقرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، والذي رفضه العرب باعتباره ظلمًا تاريخيًا وتجاهلًا لحقوق الشعب الفلسطيني. تصاعدت التوترات بين العرب واليهود في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني، مما أدى إلى اندلاع الاشتباكات المسلحة بين الجانبين.
في تلك الفترة، كانت الجيوش العربية تفتقر إلى التفوق الجوي والقدرات الجوية المتقدمة، ولم تكن المروحيات قد دخلت الخدمة الفعالة في جيوش المنطقة. على الجانب الإسرائيلي، تم استيراد بعض الطائرات الحربية الخفيفة، التي ساهمت في توفير غطاء جوي للقوات الصهيونية وتحقيق التفوق العسكري في بعض المناطق.
نظرًا لأن استخدام المروحيات كان لا يزال في مراحله المبكرة على المستوى العالمي، لم يكن لها أي تأثير ملحوظ في هذه الحرب. كانت وسائل النقل الجوي تقتصر على الطائرات ذات الأجنحة الثابتة، التي استخدمها الإسرائيليون لنقل المعدات والإمدادات، بينما اعتمدت الجيوش العربية بشكل أساسي على الوسائل البرية في تنقل القوات والإمدادات.
بحلول عام 1949، انتهت الحرب بتوقيع اتفاقيات الهدنة بين إسرائيل وكل من مصر ولبنان والأردن وسوريا. أسفرت الحرب عن نكبة الشعب الفلسطيني، حيث تم تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من أراضيهم، وأصبحت إسرائيل كيانًا معترفًا به دوليًا. بينما شهدت الحروب اللاحقة تطورًا ملحوظًا في استخدام المروحيات، ظل غيابها في حرب 1948 علامة فارقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
حرب 1956 (العدوان الثلاثي):
في عام 1956، تعرضت مصر لعدوان ثلاثي من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بعد قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس. كان الهدف الرئيسي من الحملة استعادة السيطرة الغربية على القناة وإضعاف الحكومة المصرية التي دعمت حركات التحرر الوطني في الدول العربية والإفريقية.
بدأت العمليات العسكرية في 29 أكتوبر 1956، عندما شنت القوات الإسرائيلية هجومًا على سيناء، أعقبته غارات جوية مكثفة. في 31 أكتوبر، انضمت القوات البريطانية والفرنسية إلى القتال، مستخدمةً الطائرات الحربية والمروحيات في عمليات الإنزال الجوي والبرمائي. كان لهذه الحرب أهمية كبيرة في تاريخ استخدام المروحيات، حيث وظفتها القوات البريطانية والفرنسية بشكل غير مسبوق لنقل القوات والإمدادات بسرعة وفاعلية إلى مواقع القتال.
كانت المروحيات تُستخدم لأول مرة على نطاق واسع في العمليات الهجومية، حيث مكنت القوات من تنفيذ إنزالات سريعة خلف خطوط العدو. كما قامت بعمليات الإخلاء الطبي ونقل الذخيرة، مما عزز من مرونة القوات المهاجمة. رغم ذلك، واجهت القوات المعتدية مقاومة شديدة من الجيش المصري، الذي أظهر شراسة في الدفاع عن أراضيه، خاصة في معارك بورسعيد.(2)
انتهى العدوان الثلاثي بتدخل سياسي ودبلوماسي من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، مما أجبر القوى المعتدية على الانسحاب. أثبتت الحرب أهمية المروحيات كأداة حاسمة في الحروب الحديثة، مما دفع العديد من الدول إلى تعزيز أساطيلها الجوية لتشمل هذه الطائرات التي أحدثت تحولًا في طبيعة الحروب مستقبلاً.
استخدام المروحيات العسكرية في حرب 1967 (النكسة):
في حرب 1967، اعتمدت إسرائيل بشكل كبير على المروحيات لنقل القوات، إجلاء الجرحى، وتنفيذ مهام الاستطلاع (RECCE MISSIONS). هذا الاستخدام الفعّال للمروحيات ساهم في تحقيق تفوق سريع على الجيوش العربية. كانت إسرائيل تمتلك حوالي 450 طائرة من مختلف الأنواع، بما في ذلك الطائرات المروحية، وكانت هذه الطائرات موزعة على عدة أسراب جوية. على الرغم من أن إسرائيل لم تكن تمتلك قاذفات بعيدة المدى، إلا أن استخدامها للمروحيات والطائرات ذات المدى القصير ساهم في تحقيق أهدافها العسكرية.
في صباح 5 يونيو 1967، شن سلاح الجو الإسرائيلي “عملية موكد” (Operation Focus)، وهي ضربة جوية استباقية استهدفت المطارات المصرية في سيناء. هذه العملية أدت إلى تدمير معظم سلاح الجو المصري على الأرض، مما منح إسرائيل سيطرة جوية كاملة ومهّد الطريق لتقدم قواتها البرية. بالإضافة إلى ذلك، استخدمت إسرائيل المروحيات لنقل القوات الخاصة إلى مواقع استراتيجية، مما ساهم في تعطيل خطوط الإمداد والاتصال للجيوش العربية.
استخدام المروحيات العسكرية في حرب 1973 (حرب أكتوبر):
شهدت حرب أكتوبر 1973 تطورًا ملحوظًا في استخدام المروحيات من قبل الجانبين. القوات المصرية استخدمت مروحيات “مي-8” (Mi-8 helicopters) لنقل القوات والعتاد عبر قناة السويس، مما ساهم في تحقيق عنصر المفاجأة وإرباك الدفاعات الإسرائيلية. في إحدى العمليات الأولى، شاركت 40 طائرة إنزال من طراز “مي-8” في تنفيذ عمليات إنزال خلف الخطوط الإسرائيلية.(3)
من جهة أخرى، استخدمت القوات السورية مروحيات “غازيل” الفرنسية (Gazelle helicopters) في مهام الاستطلاع والهجوم، مما أضاف بُعدًا جديدًا لقدراتها القتالية. هذه المروحيات كانت مجهزة بصواريخ مضادة للدبابات، مما جعلها فعّالة في استهداف المدرعات الإسرائيلية.
في المقابل، اعتمدت إسرائيل على مروحياتها في مهام الإمداد والإخلاء الطبي، بالإضافة إلى نقل القوات إلى جبهات القتال المختلفة. هذا الاستخدام المتنوع للمروحيات ساهم في تعزيز قدرات الجيش الإسرائيلي على الاستجابة السريعة لمتطلبات المعركة وتوفير الدعم اللوجستي اللازم للقوات على الأرض.
أمثلة على العمليات التي شاركت فيها المروحيات:
- عملية الإبرار الجوي في وادي سدر: خلال حرب أكتوبر، نفذت القوات الجوية المصرية عمليات إبرار جوي باستخدام المروحيات لدعم قوات الصاعقة والمظلات. من أبرز هذه العمليات كانت معركة مضيق وادي سدر، حيث تم إبرار القوات لتنفيذ مهام خلف خطوط العدو.
- معركة الجولان: استخدمت القوات السورية مروحيات “غازيل” في مهام الاستطلاع والهجوم ضد المواقع الإسرائيلية في مرتفعات الجولان، مما ساهم في تحقيق بعض النجاحات التكتيكية.(4)
دور المروحيات في حروب الخليج
خلال الحروب التي شهدتها منطقة الخليج في العقود الأخيرة، لعبت المروحيات دورًا حاسمًا في العمليات العسكرية، حيث استخدمتها الأطراف المتحاربة بطرق مختلفة لتعزيز قدراتها وتحقيق أهدافها الاستراتيجية. سنستعرض في هذا السياق دور المروحيات في كل من الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، حرب الخليج الأولى (1990-1991)، وحرب العراق (2003).
- الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988):. خلال الحرب العراقية الإيرانية، اعتمد الطرفان بشكل كبير على المروحيات في مهام الدعم القتالي، الاستطلاع، ونقل القوات.
استخدام العراق للمروحيات. استخدم العراق مروحيات هجومية من طراز “مي-24” السوفييتية (Mi-24 helicopter)، المعروفة بقدرتها على تنفيذ مهام الدعم الجوي القريب ومهاجمة تجمعات القوات والمعدات الإيرانية. تميزت “مي-24” بقدرتها على حمل تسليح ثقيل، بما في ذلك المدافع الرشاشة والصواريخ غير الموجهة، مما جعلها فعّالة في تقديم الدعم الناري للقوات البرية.- استخدام إيران للمروحيات. في المقابل، اعتمدت إيران على مروحيات “AH-1J Sea Cobra” ” الأمريكية في مهام مشابهة. كانت هذه المروحيات مجهزة بصواريخ “تاو” المضادة للدبابات (TOW missiles) ومدافع رشاشة، مما أتاح لها استهداف الدبابات والمركبات المدرعة العراقية بفعالية.
أمثلة على العمليات التي شاركت فيها المروحيات العسكرية:
– معركة شط العرب (1987). في يناير 1987، شن الحرس الجمهوري العراقي هجومًا مضادًا مدرعًا بإسناد من المروحيات على القوات الإيرانية في منطقة شط العرب. ساهمت المروحيات في تقديم دعم جوي قريب (CAS) للقوات البرية، مما أدى إلى تحقيق تقدم في تلك المعركة.
– حرب الخليج الأولى (1990-1991). في حرب الخليج الأولى، لعبت المروحيات دورًا محوريًا في تحقيق التفوق الجوي وتقديم الدعم للقوات البرية.
– استخدام قوات التحالف للمروحيات. اعتمدت قوات التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، على مروحيات هجومية مثل مروحية الأباتشي (AH-64) لضرب الأهداف العراقية وتدمير الدبابات والمركبات المدرعة. تميزت “الأباتشي” بقدرتها على الطيران على ارتفاعات منخفضة وتجنب الرادارات، مما جعلها فعّالة في تنفيذ هجمات ليلية دقيقة باستخدام صواريخ “هيلفاير” (Hellfire) الموجهة بالليزر.(5)
– مهام الاستطلاع والبحث والإنقاذ RSAR)). بالإضافة إلى المهام الهجومية، استخدمت المروحيات في مهام الاستطلاع لجمع المعلومات الاستخباراتية عن تحركات القوات العراقية، وكذلك في عمليات البحث والإنقاذ لإجلاء الطيارين الذين تم إسقاط طائراتهم خلف خطوط العدو.
أمثلة على العمليات التي شاركت فيها المروحيات:
– عملية عاصفة الصحراء (Operation Desert Storm) “1991”. خلال عملية “عاصفة الصحراء”، نفذت مروحيات “الأباتشي” أولى الهجمات الجوية، حيث دمرت مواقع الرادار العراقية، مما فتح الطريق أمام الطائرات المقاتلة لتنفيذ غاراتها دون اكتشافها.
– غزو العراق (2003). خلال غزو العراق عام 2003، استمر الدور الحيوي للمروحيات في العمليات العسكرية، حيث قامت مروحيات “الأباتشي” بتنفيذ هجمات مركزة على مواقع الحرس الجمهوري العراقي، مما ساهم في انهيار الدفاعات العراقية وتقدم القوات البرية نحو بغداد.
* استخدام القوات الأمريكية للمروحيات. استخدمت القوات الأمريكية مروحيات بلاك هوك (UH-60) وشينوك(CH-47) لنقل القوات والإمدادات بسرعة وفعالية عبر مسارح العمليات. كما استخدمت مروحيات الأباتشي لتقديم دعم ناري للقوات البرية، واستهداف مواقع العدو بدقة عالية.
* استخدام القوات العراقية للمروحيات. حاولت القوات العراقية استخدام مروحيات “مي-24″ و”مي-17” للتصدي لقوات التحالف، إلا أنها تعرضت لخسائر كبيرة بسبب التفوق الجوي والتكنولوجي لقوات التحالف. تم تدمير العديد من هذه المروحيات أثناء العمليات القتالية، مما قلل من فعاليتها في ساحة المعركة.(6)
يرجى الاطلاع على المزيد من المقالات حول البحوث العسكرية
لخدماتنا المختلفة يرجى الاطلاع على قسم الاستشارات
مراجع المقال
Arab – Israeli Air Wars – Defense Turkey Magazine مقال. الحروب الجوية العربية-الاسرائيلية. الرابط : (1)
ttps://www.bbc.com مقال. أزمة السويس. قصة الهجوم الثلاثي البريطاني الفرنسي الاسرائيلي. الرابط: (2)
https://www.youm7.com مقال بقلم محمد شرقاوي. التحضير لحرب اكتوبر. الرابط: (3)
https://arabic.rt.comمقال. ” أسرار حرب اكتوبر من الجو” . الرابط: (4)
https://defense-arab.comمقال. دور القوات الجوية الملكية السعودية في حرب الخليج. الرابط : (5)
https://group73historians.com مقال. الغزو الأمريكي للعراق 2003. الرابط : (6)

