الذكاء الاصطناعي كأداة استراتيجية للتنبؤ بالأزمات ومنعها وتعزيز مرونة الأعمال

المواضيع ذات الصلة

منطقة اعلانية

spot_img

من خلال سلسلة مقالات مرجعها الأساسي دورة “الذكاء الاصطناعي وإدارة الأزمات” ضمن برنامج ماجستير “القيادة الاستراتيجية العسكرية” في الجامعة الأمريكية العسكرية (AMU)،  واشنطن الولايات المتحدة، يسعى الدكتور محمد الصافي، في وضع مفهوم يكون أساس تعزيز الفكر القيادي لمتابعي مركز البرق الخاطف للدراسات والبحوث من القيادات في مختلف المجالات والدراسين في مختلف العلوم. إضافة إلى أنه سيتم وضع سيناريوهات لتدريب المتابعين لكيفية دمج استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات التجارية والأمنية

أهمية التنبؤ بالأزمات ومنعها في الأعمال

 في عصر يتسم بالتقلبات وعدم اليقين والتقدم التكنولوجي السريع، برز الذكاء الاصطناعي كأداة حاسمة للتنبؤ بالأزمات في سياقات الأعمال والعمل على منعها. وبينما ارتبط الذكاء الاصطناعي تقليديًا بإدارة الكوارث الطبيعية، فقد توسعت تطبيقاته لتشمل التنبؤ المالي، والكشف عن المخاطر التشغيلية، وتخطيط مرونة المؤسسات. تُظهر الدراسات الحديثة، بما أن الذكاء الاصطناعي قادر على توفير رؤى تحليلية فورية، والتنبؤ بالاضطرابات النظامية، والتخفيف من المخاطر التشغيلية والمالية قبل تفاقمها إلى أزمات

يُعد التنبؤ بالأزمات ومنعها عنصرين أساسيين لاستدامة الأعمال الحديثةـ، حيث تواجه المؤسسات طيفًا متزايدًا من الأزمات المحتملة؛ كالانكماش المالي، والاختراقات الأمنية الإلكترونية، واضطرابات سلاسل التوريد، والتهديدات التي تُلحق الضرر بالسمعة، والتي يُمكن أن توقف العمليات وتُضعف ثقة أصحاب المصلحة. لذلك، إن الاستعداد والتحديد الاستباقي للمخاطر يشكلان أساس مرونة المؤسسات؛ فالمؤسسات التي تتوقع التهديدات المحتملة تستجيب بفعالية أكبر وتتعافى بشكل، فلا لا تقتصر إدارة الأزمات الوقائية على حماية الأصول المادية فحسب، بل تحافظ أيضًا على الأصول غير المادية كالسمعة وولاء العملاء.

وهو ما جعل إدارة الأزمات التقليدية رد فعل، حيث يتم حشد فرق الاستجابة بعد وقوع الاضطرابات. إلا أن تطور أنظمة التنبؤ المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكّن الشركات الآن من تبني استراتيجيات استباقية. فمن خلال المراقبة المستمرة للبيانات والتنبؤ بالمخاطر، يعزز الذكاء الاصطناعي قدرة المؤسسات على الإنذار المبكر، حيث تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي رصد الأنماط غير الطبيعية في بيانات السوق والبيانات التشغيلية التي تشير إلى الأزمات الناشئة، مما يسمح للشركات بالتدخل قبل تفاقم الضرر. يعكس هذا النهج الاستباقي تحولًا جذريًا من الاستجابة للأزمات إلى هندسة المرونة، حيث يصبح التنبؤ بالمخاطر أولوية استراتيجية متكاملة مع العمليات اليومية.

توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأزمات والوقاية منها

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في قدرته على معالجة مجموعات البيانات الضخمة، وتحديد الأنماط المعقدة، وتقديم تنبؤات قابلة للتنفيذ. وفي سياقات الأعمال، تُعدّ نماذج التعلّم الآلي والتعلّم العميق أدوات أساسية في التنبؤ بالأزمات، لا سيما في المجالات المالية والتشغيلية والسمعة. يقترح بعض الخبراء إطار عمل شاملًا للذكاء الاصطناعي يتألف من عشرمراحل للتنبؤ بالأزمات المالية، ويشمل جمع البيانات، واختيار السمات، والتعلم الآلي، وتحليل السلاسل الزمنية، والتعلم المستمر. يستخدم نموذجهما الشبكات العصبية وأشجار القرار لتحليل المؤشرات المالية مثل نمو الناتج المحلي الإجمالي، ونسب السيولة، وتقلبات السوق، مما يُمكّن من تحديد العلامات المبكرة لعدم الاستقرار بفعالية.

بالإضافة إلى ذلك، يُبيّن خبراء الذكاء الاصطناعي مثل راجيسواران  أن خوارزميات الغابات العشوائية قادرة على تصنيف الحالات المالية بدقة 80% وخصوصية 83%، متفوقةً بذلك على أساليب الاقتصاد القياسي التقليدية من خلال رصد العلاقات غير الخطية بين متغيرات الاقتصاد الكلي.  من هنا فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤية هذه مجتمعةً تُشكّل أدوات إنذار مبكر تُساعد المديرين على تقليل المخاطر من خلال التعديلات الاستراتيجية وتحسين استخدام الموارد. علاوة على ذلك، من خلال دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسي، تُعزز المؤسسات الشفافية، وتُقوّي الحوكمة، وتضمن اتخاذ قرارات مستنيرة وخاضعة للمساءلة

يستكشف نانغونوري كيف يُعزز الذكاء الاصطناعي مرونة سلسلة التوريد واستمرارية العمليات من خلال التحليلات التنبؤية والأتمتة. و تُظهر دراسته أن الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحقق دقة تزيد عن 96% في اكتشاف الحالات الشاذة، ودقة تصل إلى 93.7% في التنبؤ بأعطال المعدات، مما يؤدي إلى انخفاض بنسبة 78.4%  في وقت التوقف غير المخطط له، وتوفير كبير في تكاليف العمليات الصناعية. تُمكّن الصيانة التنبؤية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتكامل البيانات في الوقت الفعلي من خلال معالجة اللغة الطبيعية وأجهزة الاستشعار، المؤسسات من منع اضطرابات العمليات، وتعزيز شفافية سلسلة التوريد، والتكيف ديناميكيًا مع الظروف المتغيرة، وبالتالي تحويل الوقاية من الأزمات إلى عملية مستمرة قائمة على البيانات لتعزيز المرونة والتحسين.

حجم وتوقعات سوق الذكاء الاصطناعي في سلسلة التوريد

يُعدّ مجال إدارة الأزمات المتعلقة بالسمعة والأمن السيبراني مجالًا آخر يلعب فيه الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا. إذ تراقب أدوات تحليل الاتجاهات الحسية والعاطفية المدعومة بالذكاء الاصطناعي وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية لرصد الاتجاهات السلبية التي قد تتفاقم إلى أزمات تتعلق بالسمعة. وتتيح هذه الأنظمة للشركات التفاعل بشكل استباقي مع العملاء وأصحاب المصلحة، ما يحافظ على مصداقية العلامة التجارية. وبالمثل، تحدد نماذج التعلّم الآلي النشاط الشبكي غير الطبيعي، ما يمنع الاختراقات الأمنية السيبرانية التي قد تُعرّض البيانات الحساسة للخطر وتُعطّل العمليات. وكما يؤكد ميزراك، فإن التقييم الاستباقي للمخاطر والمراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أمران حيويان للحفاظ على ثقة أصحاب المصلحة وشرعية المؤسسة أثناء الأزمات.

دور الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات التجارية

لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بالأزمات والوقاية منها فحسب، بل يمتد ليشمل أطر إدارة الأزمات المتكاملة التي تشمل التأهب والاستجابة والتعافي. وكما أوضح دومباري وأوسانغا وجاستن، أن  الإدارة الفعالة للأزمات تتطلب نظامًا منظمًا يتضمن خطة إدارة الأزمات، ونظام قيادة الحوادث، ومصفوفة التأهب والاستجابة للأزماتت. ويعزز الذكاء الاصطناعي هذه الأنظمة من خلال أتمتة التواصل في الأزمات، وتحسين عملية صنع القرار، وضمان الوعي الظرفي في الوقت الفعلي. على سبيل المثال، خلال جائحة كوفيد-19، استطاعت المؤسسات التي تستفيد من البنى التحتية الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي الحفاظ على استمرارية عملياتها من خلال التعاون عن بُعد والتحليلات التنبؤية، حيث استخدم أكثر من 80% منها أدوات الذكاء الاصطناعي لضمان استمرارية العمل. وقد أظهرت الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قدرتها على تقليل متوسط ​​وقت التعافي بنسبة 82% وأتمتة ما يصل إلى 88% من عمليات التعافي، مما يؤكد الأثر التحويلي للذكاء الاصطناعي على إدارة الأزمات التجارية وتعزيز مرونتها.

لذلك تتطلب الطبيعة الديناميكية لبيئات الأعمال التعلم والتكيف المستمرين في أنظمة الذكاء الاصطناعي، ويجب أن تتطور نماذج الذكاء الاصطناعي جنبًا إلى جنب مع تغيرات ظروف السوق والمعايير التنظيمية والتهديدات الناشئة، حيث تُمكّن آليات التعلم المستمر، التي يتم فيها إعادة تدريب النماذج دوريًا باستخدام بيانات جديدة، من الحفاظ على الدقة والملاءمة لأن المرحلة الأخيرة من إطار عملهما المقترح، “التعلم المستمر”، تضمن قدرة الذكاء الاصطناعي على التكيف مع الاتجاهات المالية الجديدة والصدمات النظامية.

بالإضافة إلى ذلك، يجب على المؤسسات دمج أطر الأخلاقيات والحوكمة في استخدام الذكاء الاصطناعي لمنع التحيز والحفاظ على الشفافية. وكما يوضح كومز، ينبغي لأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تركز على اتخاذ القرارات أن تحافظ على الرقابة الأخلاقية البشرية، بما يضمن أن الأتمتة تعزز الحكم الأخلاقي في اتخاذ القرارات أثناء الأزمات بدلاً من أن تحل محله. ولذلك، يُعد التدقيق المنتظم وآليات التفسير والتعاون بين القطاعات أمراً بالغ الأهمية للاستخدام المسؤول والمستدام للذكاء الاصطناعي في منع الأزمات.

يرجى الاطلاع على المزيد من المقالات حول

لخدماتنا المختلفة يرجى الاطلاع على قسم الاستشارات

مراجع المقال

Ciekanowski, Zbigniew, Aneta Chrząszcz, Aneta Wysokińska, and Stanisław Marciniak. “Crisis Management in Modern Organisations.” European Research Studies Journal 27, no. 3 (2024): 610–620.

Comes, Tina. “AI for Crisis Decisions.” Ethics and Information Technology 26 (2024): 12. https://doi.org/10.1007/s10676-024-09750-0.

Dumbari, Franklin Easter, Samuel Udoffia Usanga, and Lelei Ebidiseghabofa Justin. “The Effect of Crisis Management Strategies on Covid-19 Pandemic in Organizations.” Global Scientific Journal 9, no. 12 (2021): 2126–2144.

Hamada, Mohamed Ahmed, and Khaled M. K. Alhyasat. Artificial Intelligence Technology to Predict the Financial Crisis in Business Companies. The Eurasia Proceedings of Science, Technology, Engineering & Mathematics (EPSTEM) 24 (2023): 71–82.

Mizrak, Kağan Cenk. “Crisis Management and Risk Mitigation: Strategies for Effective Response and Resilience.” In Crisis Management and Risk Mitigation: Strategies for Effective Response and Resilience, 254–278. İstanbul: Nişantaşı University, IGI Global, 2024. https://doi.org/10.4018/979-8-3693-1155-4.ch013.

Nangunori, Sandeep Kumar. “Leveraging AI in Disaster Recovery: The Future of Business Continuity.” International Journal of Research in Computer Applications and Information Technology 7, no. 2 (July–December 2024): 1675–1687.

Rajeswaran, N. “Enhancing Financial Crisis Prediction with AI: Leveraging Historical Data and Machine Learning for Systemic Risk Management.” Advances in Consumer Research 2, no. 2 (2025): 1106–1113. https://acr-journal.com/.